جديد

ما قاله حسين البرغوثي :
(السادن ، الناقة كفنّ معماري، قصص عن زمن وثني) (1)
مراد السوداني

أَيامها، كان معلّمي مهجوساً بالبدايات، يحنّ إِلى أوّله، حنين الأرض إلى الشمس بعد المطر، منذ منتصف التسعينيات، وربما قبل ذلك كان يتأمّل ليصل طرف خيط يربطه بالعبقرية الأولى وجذورها الضائعة. ويتوغّل في العصر الجاهلي : المعلّقات، الصعاليك، الأساطير، وعبادة الأصنام، وينفتح على المقدّس في ذلك الزمن الغامض، ويقلّب الحقائق والأوهام، ويحفر في نفق الذاكرة والنبوءات، ويصطدم بسجع الكهّان والمطلسمات والروايات التي تلفّ المكان في شبه جزيرة العرب .

يبدو النسق الثقافي مرآةً تشظَّت؛ حاول معلمي إِعادة نثارها إلى ما كانت عليه فربط ما انفكّ، وألقى الصدور على الأعجاز، وغاص في ركام الماضي، وحاول تجميع ما اعتقد أنَّه يؤسس لرؤيا جديدة وجدّية في قراءة تاريخ ما قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة، والذي سمّاه القرآن الكريم "جاهلية".

وكنّا نلتقي، غالباً في بيته بالقرب من مكتبة بلدية رام الله .. ونغرق في محاورات وجدالات حول القرآن وعبقريته .. حينها أشار إلى اهتمامه بالبحث وتفكيك الذهنية الجاهلية، الإدراك، طريقة التفكير، معتقدات الوثنيين وسحرهم، بحث ينحاز للحدوس والشطحات أكثر ما ينحاز للوقائع رغم استحضارها وإثباتها هنا وهناك. إِنَّه يحلم التاريخ ليقبض على "نواة الروح" التي شكّلت عتبةً لعبقرية ما زالت ماثلة وحاضرة .. وأوضح أَن بحثه يحمل اسم "السادن" .. وكان على أوَّل الطريق .. وكلَّما التقينا يشير إلى شذرات مما يشغله، وكان سعيداً بأنَّه سيحقق في النهاية ما يستحق الاهتمام، وجدير بالمتابعة. ويقول : إنّ من يمرّ على هذه الأرض ولا يغيّر شيئاً ، أو يضيف شيئاً لا يستحق ذكر اسمه .. وكان يعني ما يقول ..

وعادت مجلة (الكرمل) لتصدر من رام الله، ويدفع معلّمي بِـ(السادن) للنشر، ولا يظهر النص في المجلة لسبب أو لآخر، ما دفع بمعلّمي لاسترداده، وكأنَّه تلقّى ضربة لا يستحقها، كيف لا وقد أخذ هذا البحث من عرقه وجهده ما يزيد على أربعة عشر عاماً.
لقد عوّل معلمي على هذا النّص كثيراً، ولطالما أعلن بأنَّه عبر هذا البحث استطاع - بقدر أو بآخر- أن يضع يده على مفتاح نسق كامل من الشعرية العربية، وأن فك لغز بحور الشعر ما زال هاجسه، لتقديم الجديد والمختلف وسبر غور ظلمات الوثنيين وغموض زمنهم.
نخّل السرطان العدو جسد معلمي .. ليستقر على سرير المرض في مستشفى (شهداء الأقصى) في رام الله .. ونتردّد على زيارته : المتوكل طه وغسان زقطان وأنا، ونلتف حوله وكذلك الأصدقاء .. على سريره كانت (قصص عن زمن وثني) .. حيث عمل مع المسرحي فرانسوا أبو سالم لمسرحة هذا العمل.. وعلى صفحات المخطوطة ملاحظات ومدوّنات لمعلمي .. وتنشر (القصص) في (الكرمل) هذه المرّة .. بعد رحيل معلمي سألت "بترا" عن (السادن) .. فأخبرتني بأنّ (قصص عن زمن وثني) تشكِّل فصلاً أول من ثلاثة فصول : القصص، السادن، الناقة كفنّ معماري. وأحصل على النصوص الثلاثة .. وأغرق فيهنّ وأتوه توهاناً جميلاً .. في قراءتي للبحث خيّ‍ل إليّ أنني أقرأ معلمي لأول مرّة .. لقد قادني نحو مجاهيل ووحشة قلب وغربة عمر، وسفر صعب في طرق وعرة .. ما يزيد على عشرين مرّة قلبّت أوراق البحث، وما إن أنتهي حتى أبدأ من جديد .. تمتلك الكلمات لديه طاقة فعّالة في الاستقطاب، ومغناطيسه الروحي يهيمن ويسيطر .. ثمّة سحرٌ ما فيما يقول، أو هكذا بدا لي، وإشارات عبور ونفاذ ..
في (قصص عن زمن وثني) يتقمّص معلّمي شخصية تاجر يماني في قافلة عائدة إلى مكّة، وتعبر القافلة مناطق موحشة، وبراري لا مأنوسة، وأودية مظلمة حيث ملاعب الشياطين وزجل الجنِّ على حفافي وأعماق وادي عبقر، هناك الشجر يحلم، واللغة أجراس من نجوم وضوء بارد، وما تستوحش الروح منه .. وتوسوس به ظلال شعاب ونخل الوعر المقمر.
دليل القافلة رجل من بني سهم يغزل الصحراء بقدميه، النوق ترغي، وثمَّة هرج ومرج، وتجار قادمون من مجاهيل الصحراء يرتجزون .. ويظهر لافظ بن لاحظ، كبير الجنِّ، شيطان امرئ القيس على ظهر ظليم، ويبدو شبحاً أطول من ناقة، بظهر عارٍ تتشعب عليه طحالب من نمش أخضر ..
والتاجر اليماني - الرواي - ذاهل بين اليقظة والحلم، يتأرجح كوتر ربابة مجروح بالليل .. ويلتقي الراوي "القرشي" الذي يوضح له قصة لافظ بن لاحظ هذا وهبيد، شيطان عبيد بن الأبرص .. وينتقل الراوي إلى غرائبية الطفل الذي سلَّمته كاهنة إلى سادن الكعبة، طفل ولدته نساء يحبلن بأحجار ، طفل من نسل الجنّ، يكتحل بالإثمد الأسود، مربّع الوجه ينطق بلغة غير مفهومة.
في حوارية متوترة بين الراوي وامرئ القيس حيث سلطة الذاكرة، الروح، يبدو امرؤ القيس فكرة هائمة في الزمن، تبحث عن كائنات من لحم ودم لتحلّ فيها .. شبحية امرئ القيس تشكِّل جزءاً من "حقيقة الروح"، هذه الشبحية الهائمة تهيمن وتسيطر، حيث تظهر كهمزة وصل بين الصحراء والمستقبل .. وامرؤ القيس بصوت أمير جليل، يمزج صلابة البدوي بنعومة اللغة، ترنُّ ذبذبات قلبه كأجراس قصر غمدان .. ويذهب الحوار إلى المعلَّقة في محاولة لتفكيكها للعثور على "حجر سنمّار"، ليقبض على الرقمين (7) و(28)، وعلاقة ذلك ببحور الشعر عند الخليل بن أحمد الفراهيدي والرياضيات المقدَّسة .. تصير النجوم حروفاً والسماء كتابة متاهية موشومة.
تنفتح مقدمة (السادن) على مولد طفل عجائبي، ابن غيب، ربَّما .. شيء ولد بلا نظام، ليس قبيحاً أو منفِّراً أو مشوَّهاً، يبشّر بفوضى الأشكال، وصوت حصان فظٍّ يتكلَّم من معدته وكأنَّه فرخ جنّ .. ولفّقوا حوله الأساطير ونسجوا الحكايات، وقيل بأنَّه بلا رأس ولا عنقٍ أصلاً، ووجهه في صدره .. هذا الطفل الخرافي ابن للافظ بن لاحظ .. وقد وجد في الطريق إلى "دومة الجندل"..
كما تضمّن باب (مختارات) : ترجمة وتقديم لديوان "سافو" الشاعرة والأسطورة لأشرف أبو اليزيد.
ويأخذ السادن "عبقوس" الطفل حيث الكعبة .. سيِّدة الأمكنة .. ويتأمَّل في وجه الطفل ليجده مربَّع الشكل، بفكَّين فيهما قسوة، وجبين واسع، وشعر خفيف أسمر، ونسب طاقة وجهه للمربَّعات المقدَّسة، أوليست الكعبة مربَّعة؟‍ و"السادن" بمزاجه المتقلِّب قلقله الطفل بخرافيته وغرائبية أطوره. تحتل "زلل"، العرّافة المعروفة بـ"صاحبة الناقة" دوراً بارزاً بالإضافة إلى ابنتها "فوز" التي تلتقي بـ"الطفل" أخاها في الرضاعة، والذي يعرف لاحقاً بِـ"أيهم بن سلمى" .. عن الأقواس والزوايا والمربَّعات، التصريع وسجع الكهان، الذكورة والأنوثة، وغناء المناهل وجنِّيات الماء، وكتابة ورجز الصحراء، كلِّ ذلك يحتلُّ مساحة في ذهن (السادن) الذي يهجس أكثر ما يفكِّر، ويحلم أكثر ما يرى، كيف لا وهو قارئ العتبات الذي يرجع إلى أوَّله، في الأنباط في "البتراء"، ويعود إلى الأنثى أوّل الأشياء .. يتأمل "السادن" (الزمن الدائري) ليقبض على ما هو خارج الزمن، لفك طلسم "أيهم".
وتسحره الدائرة، فالمعلَّقات دوائر، والقلائد دوائر، والسمط دائري، والأعناق دائرية، والأبراج دائرية، والأنواء دائرية، والقافية دائرية، و"الزمن بالإنسان دواري" .. و(السادن) حالم بكتابة الأفلاك وحجر الروح السّري .. وبغمزة عين ينسج المستقبل بالكلام، ليحيا كبقية الجاهليين طفل الذكريات الرطبة .. من "فصل السفر" إلى "فصل الأحرف"، و"فصل المربَّع عن المثلَّث" و"فصل الهندسات" .. إلى "كتاب الخشب"، ويحفر (السادن) على كثبان الرمل ما يتوصَّل إليه من حساباته وتعقيداته التي طالما غرق فيها وحولها .. و"السادن" كان خائفاً من أنَّ حدوسه وتخيُّلاته وما يلحظه عبر سنواته الخمسين سيذهب قبض ريح .. كان منهكاً، بصندل جلد، ورُكَب مدمَّاة من الوقوع المستمر، وشعور بدنوّ الأجل، وضع خدّه على زهرة في عرق حجر، وحدّق في النجوم وهمس في صمت : "بوركت الرحلة"، ولسبب ما تأمل بيت نمل في الطريق، فحنّ إلى بيت، وجثا بلا حول وبكى فرحاً .. وشعر بأنَّ الحياة تستحق الحياة.. رغم شعوره بهشاشتها .. إِنّه (السادن) ذاته، حسين البرغوثي أمام بيته في "كوبر"، حيث النحل والنمل والأزهار .. في أيامه الأخيرة .. وما "صاحبة الناقة" إلاّ زوجه، و"أيهم بن سلمى" إلاّ "آثر" ابنه .. إِنَّ هذا البحث هو بحثه وخطواته هي جذوره بلغة مهيار الدمشقي .. ويختتم (السادن) بفصل "القرشي والزوزني"، والخلافات حول عدد المعلَّقات، ويغرق في حساباته وأرقامه للوصول إلى رابط يصله بالدورة القمرية، والنظام الفلكي، وطلاسم التنجيم الشعري.
بإصرار الاستثنائي واصل "السادن" الحفر في إرثه للعثور، وكشف طلاسم "هندسة المقدَّس" التي تربط بحور الشعر العربي ودورة القمر والأبجدية معاً، بنهاية مفتوحة على الزمن والذاكرة والمستقبل، هكذا نقدّم (السادن) كما جاء ..
(الناقة كفنٍّ معماري) ثالثة الأثافي وقفلة النّص، وتشكِّل دراسة في الأسس الهندسية للذاكرة الشعرية عند العرب .. و"الناقة" بحث أقرب للمتاهة والتفكير البارد، وهو بالضرورة يختلف عن سابقيه : (القصص) و(السادن) من حيث تكنيك الكتابة، وهو بحث في أصل الشعر عند العرب، الأوزان، وهندسة الأبيات والقصائد وعلاقة ذلك بالمكان، حيث يسعى معلمي لبرهنة أنَّ بحور الشعر العربي كلِّها جاءت من أسس هندسية مقدّسة هي عبادة المربَّع والمثلَّث عند العرب في الجاهلية.
حيث يستعرض الأسس الهندسية "الكمية" للشعر العربي (كالأوزان والبحور) موضِّحاً أنَّ هذه "الكميات" (عدد التفعيلات في كل بحر، مثلاً)، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ"هندسة المقدَّس الجاهلي"، كما أنَّ الأسس الهندسية للمقدَّس الجاهلي هي نفسها أُسس الشعرية العربية، بالإضافة إلى أنَّ بحور الشعر الخليلية المعروفة هي بنية هندسية صارمة، وبرسمها تنكشف علاقاتها الهندسية الدقيقة بالفنِّ المعماري عند الجاهليين، وعند العرب المسلمين لاحقاً، وحتى علاقتها بالموسيقى والرقص والتطريز، والغناء الشعبيين ..
كلُّ هذه الموضوعات لم تحرث بجدية، وعليه انطلق معلّمي من "فرضية" أن العرب في الجاهلية واجهوا فراغين : البحر والصحراء، ثم وحدَّوا بين هذين الفراغين في مساحة واحدة لتصبح "الصحراء بحراً والبحر صحراء". ويطلق على هذه المسافة الواحدة "الفراغ الموحّد" .. وهذا الفراغ اشتقَّ منه هندسة شعرية (أوزان بحور وشعر) وثانياً : هندسة معمارية مقدَّسة تتمثّل في الكعبة ..
ويشتعل جدل معلمي حول أنَّ الجاهليين أقاموا الكعبة وصاغوا الشعر باتباع المبادئ الهندسية نفسها، وبذلك ترجموا معتقداتهم الحياتية ومفاهيمهم إلى هندسة، رياضيات، وبفك شيفرة أسس هذه الهندسة المقدَّسة والتي تشكِّل العمود الفقري للذاكرة الشعرية العربية، يكون معلّمي قد لامس مفتاح الذهب في تربة الذاكرة، ليقدم قراءة مختلفة وعبقرية في الكشف عن البدايات.
يغوص معلمي في أعماق اللغة لمعرفة نمط الإنتاج الذهني الجاهلي، ثمَّة الناقة والجمل و"الفراغ الموحّد"، كذلك المعلَّقات كفنّ معماري ومفهوم البيت (الخباء) والبيت الشعري، و(التصريع) .. كما يوضِّح معلمي العلاقة بين هندسة جسد الناقة والإنسان والفنِّ المعماري والمعلَّقات، وأيضاً، إشكالية السمط، والعلاقة بين الكعبة والمسمّط، تقديس المربَّع والمثلَّث في الجاهلية وهندسة الكعبة، وتقديس المثلَّث والمربَّع والدائرة في الأزمنة القديمة، وقدسية الدائرة في الجاهلية، والمعلَّقات كدوائر قمرية، ويجمل معلمي كلَّ ما سبق بشكل هندسي يفسّر علاقة بحور الشعر العربي بتقديس المربَّع والمثلَّث والدائرة، ويفكّك هذا الشكل الهندسي إلى مكوناته شارحاً خصوصية كلَّ شكل وعلاقته بغيره .. ليصل معلمي إلى أزمة الخليل ومأزق نظامه، لينتقل بعدها إلى علم الفلك الجاهلي وعلاقته بهندسة بحور الشعر ومعمار الكعبة.
ومن معتقدات البابليين وقدسية كوكب الزهرة والدائرة، إلى الأنواء وهي أسماء ثمانية وعشرين نجماً معروفة للعرب في الجاهلية، إلى المعلَّقات وعبادة النجوم وفلكيات الجاهلية، يتجاور كلُّ ذلك، وعليه فإنَّ النصوص الثلاثة (قصص عن زمن وثني، السادن، الناقة كفنِّ معماري) تشكِّل معماراً نصِّياً متماسكاً يقدم رؤية واقتراحاً مبنياً على الجدل والمعلوماتية والحدوسات والتوقعات والفرضيات والوقائع لفهم جذور الذاكرة الشعرية وعلاقتها بالرياضيات المقدَّسة، ما يجعل هذه المحاولة خطوة فذّة في استقراء الإرث الشعري العربي والقبض على أصوله ..
أُتيحت لي فرصة تقليب أوراق معلمي في بيته (في قرية كوبر، شمال غربي رام الله). لأعثر على مسودات النصّ (السادن، الناقة، قصص عن زمن وثني).. وأُتابع خطوط إنجاز العمل بمقارنة الأوراق والقصاصات التي تمتلئ بها أدراج مكتبته .. ثمّة جهد مهول، وتجريب فذّ ورسومات معقّدة توزّعت بين الأوراق .. كما وقعت عيناي على بدايات البحث والذي كان دراسة تزيد على ثلاثين صفحة أعدَّها معلمي لمجلة (الكرمل) حينها، وينتهي البحث بملاحظة فحواها : "في العدد القادم من مجلة الكرمل سنتابع دراسة أُسس التكوين هذه، ونتيجة للتعقيدات الكبيرة في الأجزاء التالية، وفي هندسة الذاكرة ذاتها، سننهي الحديث الآن، كي نعطي كلَّ قضية حقّها في "مساحة" كافية، أسئلة مختلفة لم نجب عليها هنا سنتناولها بالتفصيل فيما بعد، باتجاه شعر جديد كلياً، ورؤيا مخالفة لِـ"الحرية" في التكوين". حيث تكشف هذه الملاحظة تعقيدات النصّ ورغبة معلمي في تقديمه عبر "مساحة" تسمح له بالإفاضة والتفصيل لغموض البحث وتشابكه .. لكي يتأتّى للنص أن يصل للقارئ بسهولة ويسر.
ثمَّة فصول بلا عناوين في دراسة (الناقة)، ما اقتضى وضع عناوين باجتهاد شخصي، بالإضافة إلى تكرار قد يبدو للقارئ كذلك، غير أَنَّه تكرار مقصود يفصله عن سابقه فقرة أو جملة أحياناً .. فالتكنيك الكتابي للنصّ مهم لأنَّه منسوج بدقَّة وقصدية تماماً تمنح البحث خصوصية الاختلاف والمغايرة .. كما لجأت في "الناقة كفنٍّ معماري" إلى إجراء بعض التعديلات لكي تظهر الفصـول وتقسيماتها بطريقة متتابعة ومتسلسلة لا تحدث تشويشاً لدى القارئ، فوصلت ما انقطع.
كما يمكن الإشارة إلى أنَّ محاضرات معلّمي حول قوانين الشعر العربي (العام 1995) في جامعة بيرزيت تجاورت، بصورة أو بأُخرى، مع هذا البحث .. بمعنى أنَّ ذهن معلمي طوال تلك السنوات التي ذبلت كان مشغولاً برؤياه وتأمُّله حول الكينونة الأولى للذهنية الجاهلية وأولانية الشعر آنذاك. ففي تحليله لقصائد محمود درويش ومحمد عفيفي مطر أشار لهندسة المكان، وهندسة القصيدة، والمقطع المستطيل والمربَّع، بالإضافة لإرادة الأسطرة، ومصادر الإبداع.
وقد ألمح في محاضراته إلى مأزق الخليل والذي بات قيداً يتحكّم في الشعرية العربية. ومما قاله في إحدى محاضراته : "إنَّ جمالية العشر العربي القديم، إذاً، أعقد وأعمق من أنَّ "نحشرها" في قالب أبدي أو بوتقة ما، كالبحور، ولكن الخليل بن أحمد ساهم، بوعي أو دون وعي، في مثل هذا "الحشر"، عبر اختراعه للبحور الشعرية، وسيطرته على طريقة رؤيتنا لتراثنا الشعري لا تقارن إلاّ بسيطرة رؤيا أرسطو طاليس في كتاب "شعر" على المسرح الغربي كلِّه".
وللخروج من مأزقية النظام الخليلي وجمود القوالب الكلاسيكية اقترح معلمي في إحدى محاضراته حلاًّ في التعامل مع تراث شعري غني جداً، متنوِّع جداً كتراثنا مضافاً إليه القرآن الكريم نفسه :
"أقترحُ، كمخرج، أن نوحّد رؤيا الخليل بن أحمد مع رؤيا أخرى أكثر شموليّةً وتعقيداً تتكون من النقاط التالية :
أوَّلاً : كلُّ أيقاعات اللغة العربيّة تتكون من الحركة والسكون (ب، - ).
ثانياً : التفعيلات التي اكتشفها الخليل ليست إلاَّ أشكالاً معيَّنة من (ب، - )، ولكنَّها ليست الأشكال الوحيدة.
ثالثاً : البحور ليست إلاّ أشكالاً معيَّنة، أي "قوالباً"، تنظَّم عَدَدَ، وترتيبَ تفعيلات معيّنةٍ، ولكنها ليست الأشكال الوحيدة
لترتيب وتنظيم التفعيلات، كما يبيِّن ذلك، مثلاً، القرآن الكريم، ففي آية :
    "تبَّت يدا أبي لهبٍ وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب"
    - - ب - /ب - ب ب - / ب - ، - -/ - - ب - / ب - ب - / ب -
    مستفعلن مفاعلتنٌ فعو ، فعلن مستفعلن مفاعلن فعو،

وهو ترتيب غير موجودٍ في البحور، ولكنَّه يخلق إيقاعاً جميلاً وجديداً لم يكن معروفاً في الشعر الكلاسيكي. رابعاً : بما أنَّ القرآن الكريم "يتجاوز" قانون الحركات الثلاثة، أين يكرِّر (ب) أكثر من مرتين متواليتين، وهذا ممنوع في البحور، فإنَّنا نستطيع أن ننحت تفعيلات جديدة، كتفعيلة (فَعَلَ ب ب ب) لفهم الإيقاع القرآني، وأيضاً، لفهم إِيقاعات الشعر الحديث الذي نجد فيه تجاوزاً للقانون نفسه، كما، مثلاً، في قول محمد عفيفي مطر في "إيقاعات الوقائع الخنوميّة" :
    "يتنخَّلُ الوطن فتيتَهُ الطالعين من عُكارةِ
    البلهارسيا وصممِ الأُمِّيةِ وحيوانية الجوع
    ورهبة العبيد وطاعةِ الإماءِ وجبروت الوحشِ ... إلخ". (ديوان : احتفاليات المومياءِ المتوحِّشة).

حيث نجد التجاوز نفسه في :
    "وصمم الأُمِّية وحيوانية الجوعِ"
    (ب ب / ب - - - / ب ب ب/ ب ب - - / ب - - / ب)، مثلاً".

وهكذا التقط معلمي ما قاله محمود درويش في (لماذا تركت الحصان وحيداً):
    "لا بُدَّ من نثرٍ إلهيٍّ
    لينتصر الرسولُ".

ليكتشف أنَّ الذهاب بإتجاه "النثر الإلهي" قد يكون حلاً سحرياً لتجاوز الإيقاعات الكلاسيكية ونحت إيقاعات جديدة في سياق التجريب الحي والحقيقي لتقديم ما هو مختلف.
ولا بُدّ من الإشارة إلى أَنَّ مسودات البحث توضِّح دون شك مساهمة الفنان التشكيلي جمال الأفغاني في إضاءة الكثير من أبواب النص، حيث يشير معلمي في دراسة (الناقة كفنٍّ معماري لتكوين الذاكرة الشعرية)، من خلال هوامش البحث لذلك : "كتب المقال حسين جميل البرغوثي ملخِّصاً فيه حوارات طويلة بينه كشاعر وبين جمال الأفغاني كفنّان تشكيلي عن أُسس التكوين الأدبي والتشكيلي عند العرب".
وبقي القول بأنَّه، بمقدار ما أعلم، لم يقدّم أحدٌ حتى الآن أجوبة وحلولاً لأسئلة ما زالت تتوهج حتى الآن من نوع : ما هي جذور الشعر العربي، وكيف تمَّت هندسته قراءة تتجه للمستقبل محمولة على إرث القدماء والذاكرة الشعرية العربية، فلروحه حتى يرضى ألف سلام.



(1) كتاب صدر حديثاً عن المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي - جمع وتحقيق : مراد السوداني .