صبحي شحروري

العَالِم .. المُعلم ..

 يوسف المحمود

 سأتباهى منذ البداية بأنني واحد من مريديه ، وسأظهر فخوراً وأنا مازلت أتتلمذ على يديه ، وآخذ عنه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ، فقد عُرف الرجل بغزارة علمه واتساع أدبه ، وفضله المشهود ، ولولا خشيتي من ظهوري بمظهر المغالي المفرط في مديحه لاستعرت وصف أبي حيان التوحيدي لمعلمه أبي سعيد السيرافي عندما قال : "إنه عالِمُ العالَم وشيخ الدنيا ومقنع أهل الأرض" ، لكني لن أغالي إذا استعرت وصف التوحيدي نفسه لأحد معلميه ووصفت به معلمي صبحي شحروري بأنه "ذو أَنَسَة بسائر العلوم" ، وأضفت بأن له أيادي واضحة على الأدب وأهله في سائر الديار الشامية وبأن لرأيه حضوراً بين المثقفين والكتاب والأدباء في معظم أقطار وطننا العربي الكبير.

وهو - أمد الله في عمره - من جيل "الأفق الجديد" ذائع الصيت ، سمعت منه أنه كان يتابع حوالي ثلاثين مجلة تصدر في غير قطر عربي في سنوات الستينيات ، عدا عن قراءاته الكثيفة والمتواصله منذ الخمسينيات الماضية وحتى يومنا هذا ، وهو يحرِّض على القراءة بالعربية التي يقدسها ، وما يصل إلى يديه بالإنجليزية التي يجيدها.

وهو شغوف بالمقارنة والمناظرة والبحث عن الأصول التي توصل إلى الحقيقة في حياته غير موارب ولا مجامل ، يحرص كل الحرص على توخي الصدق في كل ما يكتب فيثير بذلك حفيظة بعض المتهورين والنوكى الذين ابتلي بهم الأدب.

تعرفت إليه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي ، وجرى ذلك في أحد المهرجانات الضخمة الذي أقامته الفعاليات الوطنية في فلسطين المحتلة العام ثمانية وأربعين.

في ذلك اليوم كنا الصديق الشاعر عبد الناصر صالح والصديق الشاعر عبد الحكيم سماره وأنا نشارك مع المشاركين ، فعرّفني عبد الناصر إلى صبحي الشحروري.

- هل هو ما غيره ؟ قلت لعبد الناصر.

قال : نعم ما غيره .

قلت : صبحي ، صبحي شحروري ؟

قال : صبحي أبو نضال يا رجل !!

قلت : صاحب "المعطف القديم" ؟

صاح عبد الناصر : الله أكبر لا يوجد أي شبيه له في العالم ، نعم هو ، كانت الصحف والمجلات الأدبية في تلك الفترة مازالت مشغولة بمجموعه القصصية "المعطف القديم" والتي استقبلت استقبالاً حافلاً لوقت طويل ، كنا نقرأ عنها ونحن على مقاعد الدراسة ، لذلك ثارت فيّ كل تلك الأسئلة التي أثارت في عبد الناصر التكبير ، وجعلته يقطع الشك باليقين بأن الذي عرفني إليه هو صبحي الشحروري الذي لا شبيه له في العالم.

انتهى ذلك اليوم من أيام المهرجان الذي تسنى لي فيه الاستماع إلى توفيق زياد وأميل حبيبي وسالم جبران وسميح القاسم عن قرب والتعرف إلى صبحي الشحروري وجهاً لوجه.

 كنت في تلك الأيام أتطلع إلى حبر القصيدة ولم يجف عن يدي حبر المدرسة بعد فشكل ذلك المهرجان بالنسبة لي فتحاً مبيناً ، خصوصاً أنه كان يلمع في ملتنا واعتقادنا أن الحبر هو أقوى سلاح يمكن به تغيير العالم ، وأن الفارس لا تكتمل فروسيته إلا إذا كان شاعراً ، ولما كانت سنوات الاحتلال حالكة ، مظلمة كان يلمع في ملتنا واعتقادنا أن المناضل لا يمكن أن يكون مناضلاً إلا إذا كان مثقفاً فما بالك إذا كان شاعراً أو كاتباً ؟

وكم حضرتنا صورة عنترة العبسي وسؤالها ... الفارس أم الشاعر ؟

وظلت حتى يومنا هذا عبارة القائد الخالد سيدنا صلاح الدين الأيوبي " إنما انتصرت بقلم القاضي الفاضل" تدوي في أسماعنا وتنير دروبنا .. ولعمري أنها باقية ما بقي ذكر فاتح القدس ، أي ما بقي العالم.

ومضى زمن تعرفت خلاله أكثر إلى المعلم صبحي شحروري ، فصار اللقاء معه يتحول إلى ندوة أو حوار لا يترك خلاله شاردة أو واردة إلا ويتم التطرق إليها ، وهو يحيط من معه بمعرفته الواسعة ويتحدث ويحلل ويعلل ، فترى أنك أمام رجل حنكة التجارب .. إنه مثقف من طراز خاص ، إنه لا يتكرر.

صبحي شحروري صوت نقدي متماسك وشجاع بحق ، وهو كاتب ذو تجربة لا يتورع عن قول رأيه ، وذلك عائد إلى ثقته العالية بنفسه لكن دون تيهٍ أو عُجْبْ ، ودون أية مظاهر ، فهو لا يتكبر ولا يستثمر ، بل ظل كما هو الإنسان العادي والفلاح البسيط ، يزعجه حفظة العناوين وأصحاب الرؤى المثلجة ، فهؤلاء لا يستطيع السكوت عنهم ، لأنه لا داعي للزيف والكذب ولا داعي إطلاقاً للإدعاء ، وكأي مثقف حقيقي يدرك مدى اتساع بحر المعرفة الذي لا ساحل له ، فعندئذ لا يطيق من يأتي ويقدم نفسه على أنه أكبر من بحر بلا ساحل ، لأنه في ذلك بلوى بلا ساحل.

ولا بلوى عند صبحي شحروري أكبر من بلوى الكذب والإدعاء إلابلوى التطبيع ، فهي عنده غير خاضعة لأي نوع من الجدال أو الحوار ، حتى أنه لا شأن له ولا كلام مع المطبّعين أبداً وإن فُرض ذلك تراه وقد أظهر تنمراً وتكبراً لا يستطيع أحد الإتيان بمثلهما. ومسألة التطبيع هذه مسألة لا تؤرق صبحي شحروري ولا تشغله لأنه يعتبرها مهمة قذرة تليق بحاملي أفكارها.

وللحق فإن موقف صبحي شحروري من التطبيع ، والذي نشأ معه وتمترس خلفه منذ عدوان العام سبعة وستين أثَّر في كثيرين من الكتاب والأدباء وكان لهم حرزٌ حريز وكان عذاباً أليماً لأؤلئك الذين "تمكيجوا" وتعطّروا كي يدخلوا أبواب التطبيع باسم الأدب والإبداع فكانوا من الخاسرين.

وبرَّروا أفعالهم وسوءاتهم واختلقوا لذلك حججاً مضحكة ، حتى أن أحدهم وخلال نقاش جرى قال دون حياء : إنه ذاهب لتغيير عقول اليهود.

بينما صرخ آخر وهو الآن ذو شأن : هل تخافون منهم ؟ أجلسوا معهم وجادلوهم حتى تفحموهم ويفهموا أن هذه البلاد لنا ، قلنا : وبعدين ؟ قال : نعيش فيها معاً ، قلنا : ما الجديد ، ها نحن نعيش !! قال : يا أخي يجب أن يستوعبونا ونستوعبهم ، فوقعت واقعة الانتفاضة وجرى لنا ما جرى وظل يجري حتى يومنا هذا .

وقبل واقعة الانتفاضة أفضت رؤى المطبعين وحاملي نظريات الاستيعاب السالفة إلى المجاهرة بشتم الأُمّة ، والزعم بأن الشعب الفلسطيني أمة لا شأن لها بأمتها العربية فكادت أن تقع الطامة الكبرى لولا وقوع الانتفاضة التي صرخنا فيها جميعاً أين أنتم يا عرب ؟

وظلت عبارة صبحي شحروري تدوي ، ما شأني بالتطبيع والمهام القذرة ؟ دعوها لرجالاتها.

فأين كنا وأين صرنا يا معلمي ؟

لقد لطمونا بالمفاهيم المتدحرجة والمصطلحات الملّونة ، فتصدى محبّوك ومريدوك وتلامذتك ما استطاعوا لهذا اللغط ، وفي ذلك لا أعتقد أن جماعة أدباء أو متأدبين أو واهمين في الدنيا شغلها مصطلح "الآخر" مثلما شغل بعض الخاسرين من جماعتنا وهم في ظنهم أنه من لوازم التطبيع أو ضرورة فهم الآخر ، إن تراجعوا عن كلمة التطبيع ، فقد وصل الأمر ببعضهم أنه إذا قيل له صباح الخير كان رده "آخر" وإذا جلس إلى طعام استبدل البسملة بكلمة "آخر" وإذا التقى حبيبته فجأة صرخ : أوه الآخر ، فاختلط الحابل بالنابل وأكلت المفاهيم بعضها حتى قام من فهم ذلك وتنبه إلى هذا الخلط الأسود وهم إخوتنا في "بيت الشعر" فما كان منهم إلا أن أبدعوا مصطلح "الآخر – النقيض" فقطعوا بذلك رأس كل دسيسة.

 فأين كنا وأين صرنا يا معلمي ؟

هاتوا لي دراسة نقدية واحدة نشرها صبحي شحروري يُشتمُّ منها رائحة المجاملة ....

هذا لا يمكن على الإطلاق ، فالشجاع لا يمكن أن يجامل ، والعارف لا يمكن أن يجامل ، والمثقف الحقيقي لا يمكن أن يجامل.

ولأنه أيضاً، لا يتناول النص لرغبة في الكتابة وإنما يختار المميز ، ولأنه لا يلصق نصه بنظرية نقدية قسراً ليتفاخر بالمنهجية كما يقول الناقد الدكتور نبيه القاسم في مقال كتبه عن صبحي شحروري وذكر فيه أن شحروري لم يرض بالتزين بما يقرأ وبما يعرف وإنما اكتشف إلى أي مدى بئر المعرفة عميقة ولم يبخل على معارفه وأًصدقائه ومريديه بالمعرفة فأصبحت حلقاته تستدعي طالبي العلم والمعرفة وتستقطب اهتمام الكثيرين ، وكان بذلك الدكتور القاسم صادقاً ودقيقاً جداً لأن الشحروري بالفعل لم يقبل على نفسه الاستعراض على الآخرين ، بل كرّس كل وقته لأصدقائه ومحبيه أو للقراءة والكتابة.

وهو بالمناسبة لا يحب أن يحاضر أو يعظ ، بل يحب أن يناقش ويحاور في كل الفنون وألوان الإبداع ، وأشعر كثيراً أنه يخص الشعر والرواية باهتمام أكبر لذلك فهو متابع لأدق التفاصيل في المشهد الإبداعي والفلسطيني ، وفي المشهد العربي فلا تفوته فائتة وهو على ذلك دون انقطاع منذ أكثر من نصف قرن.

يتابع كل جديد في النقد "الدراسات والنظريات النقدية".

وما زال حتى اللحظة رغم بلوغه سن السبعين - أمد الله في عمره - يعمل وينتج ويقرأ ويكتب كما لو كان في سن الشباب ، وما زال يجاري العصر ، تطربه الأناقة ويأخذ ما يريحه عن الحداثة.

يأخذ عن الجرجاني ويناقش في جان كوهين ، ويشير إلى رومان يوكبسون ، يعيش بين بلدته بلعا ومدينة طولكرم

أمدَّ الله في عمرك يا أبا نضال ، وإنّا نحبك يا رجل !