اليوم الثاني من فعاليات أسبوع حسين البرغوثي

ندوة "التطبيع" في جامعة بيرزيت

والأصوات الجديدة في "بيت الشعر"

رام الله - : استمرت أول من أمس الاثنين في قاعة الشهيد كمال ناصر في جامعة بيرزيت فعاليات أسبوع حسين البرغوثي للثقافة الفلسطينية والذي نظمه (بيت الشعر) الفلسطيني، واللجنة التحضيرية لفعاليات الأسبوع وكانت الندوة بعنوان : نحن وهم : مقاربات نقدية في الآخرية والتطبيع وفي المساء تمت الندوة الثانية في (بيت الشعر) قدّم فيها عدد من الطلبة مقارباتهم ومداخلاتهم حول تجربة حسين البرغوثي وتأثيره على الأصوات الجديدة.

في الندوة الأولى (نحن وهم) : مقاربات نقدية في الآخرية والتطبيع، والتي تناول فيها عددٌ من المهتمين والمبدعين والمنشغلين بالشأن الثقافي في قضية التطبيع كلٌ من د. المتوكل طه ود. عادل سمارة ود. هشام أحمد، والفنان الشاعر مروان العلان والأستاذ خالد سليمان في محاولة لمقاربة المصطلح في إطار عدد من الندوات يعلن بيت الشعر على تواصلها بهذا الاتجاه ، وليس آخرها (لقاء بيت الشعر) الذي انعقد لمناسبة ذكرى (58) للنكبة والذي تناول موضوعة التطبيع من مجمل القضايا التي تحتاج لمزيد من النقاش والجدل والحوار ..

وقدّ قدّم الشاعر يوسف المحمود لندوة التطبيع، بعد نعي الأستاذ الأكاديمي جمال البرغوثي الذي رحل صباح هذا اليوم .. بقوله : كل يوم تصحو على خبز دامع وفقد عزيز، وها نحن نفتقد اليوم أحد أقطاب الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت الصديق جمال، ونهدي جهد هذه الندوة إلى روحه التي أصرت دائماً على ثوابت بلادنا وانحيازها لكل ما هو جميل.

وأضاف المحمود : التطبيع مصطلح تدحرج ككرة الثلج وانزاح ليحمل مصطلح الآخر والذي نسميه نقيضاً غير منحازين للغة السياسي لأننا كمثقفين لسنا خطابه، أو صداه .. من هنا فإن مصطلح الآخر يحتاج للتفكيك والمقاربة حتى نصل لاستنتاج وورقة عمل تصلِّب الجبهة الثقافية في وجه دكاكين التطبيع المجاني والعدمي.

وقد افتتحت الندوة بمداخلة تقدم بها الشاعر د. المتوكل طه الذي تناول مفهوم الآخرية في السياق الفلسطيني وتتبعه لمصطلح الآخر والفضاء الذي ملأه ومما جاء في مداخلته :

"يختلف معنى الآخر" في فلسطين عنه في أي مكان آخر، ذلك أن "الآخر" هنا ليس مجرد فكرة، أو مجدر نتاج صناعي أو ثقافي، بل هو يوجد في مشروع استيطاني إحلالي مرعب، يستعمل ليس ، فقط، تكنولوجيته وإنما أيدلوجيته أيضاً، وهو لا يأتي بذلك منفرداً، بل يأتي معززاً برؤية غيبية وسياسية وفيزيائية غريبة ومدعومة من الغرب، رؤية مسبقة وموتورة ولها أهداف وتستعمل وسائل مجازرية. "الآخر" في فلسطين صاعق وقوي ومسيطر ومذل، لا يمكن تجميله أو أنسنته أو التوصل معه إلى نقاط اتفاق، ذلك أنه يهدف إلى سلب الأرض، من جهة، وطرد أصحابها منها، من جهة أخرى، وتسمح له عقائده وأوهامه وقوته بذلك، في الوقت الذي يتم فيه استحسان هذا العمل أو شرعنته من قبل قوى كبرى كشفت فيه عن عطبها البنيوي وعيبها العضوي.

في فلسطين ، لا تتم معرفة الآخر من خلال وسائل المعرفة العادية، وإنما من خلال لغة الدم ورائحة التراب. في فلسطين، يدفع الشعب الفلسطيني دمه من أجل أن "يفهم" هذا "الآخر".

أما ما هو خارجها ، فنجد أن "الآخر" يتقدم على مستوى الحضور والدبلوماسية والقبول والشرعنة والاندماج في المنطقة والتدخل في شؤونها ، ويتحول – عملياً – إلى أهم اللاعبين وأقواهم، بل يتحول – فعلياً – إلى بوابة العبور للراغبين في الدعم الغربي والأمريكي بخاصة".

 فيما تقدم المفكر والمبدع د. عادل سمارة بمداخلة نقدية حول التطبيع استعرض فيها شراسة الهجمة على السياق الفلسطيني في محاولة العدو لاستدخال الهزيمة إلى روح وقلب الفلسطيني والعربي .. مستخدماً سيف التمويل لتمرير مشاريعه وإحداثياته المسمومة ومما جاء في كلمته .."في الصراع العربي مع الكيان الصهيوني الاشكنازي أدخلنا مصطلحين متضادين :

التطبيع : وهو ممارسة الطبقات الحاكمة تقابله الانتفاضة : كممارسة شعبية وتنمية بالحماية الشعبية ، تكفي الإشارة إلى أن العالم الرسمي اشترى الأول، وحركة مناهضة العولمة تبنت الثاني .

التطبيع ظاهرة تنتج عن حالة صراع وتشترط طرفين مهزوم ومنتصر. لذا فالتطبيع ليس الهزيمة وحسب بل استدخال الهزيمة. أي تمثلها والتعايش معها والتصرف كما لو كانت هي الوضع الطبيعي. الافتخار بالتطبيع، الاستقواء بالضعف والوعظ به والترويح به.

التطبيع درجة أدنى من الاستسلام، فالاستسلام حالة سلبية، عدم مقاومة، لكنه ليست تفاعلاً مع بل تمثلاً لما يريده المنتصر، لذا ، فالتطبيع ظاهرة قديمة في البشرية، أما الجديد فهو كشفنا عنها، وقد نعزو ذلك لابن خلدون في تمثل المهزوم للمنتصر، قد يكون التمثل من أجل إعادة البناء، لكن التطبيع في حالتنا هو القبول بالمكان الذي يخصصه العدو، ومن هنا، استحالة النهوض.

التطبيع بنيوياً في حالتنا، لا سيما في الكيانات الصغيرة الهشة" .

فيما تناول د. هشام أحمد من جامعة بيرزيت موضوعة التطبيع مفككاً أدواتها ومستعرضاً محطات احتضنت هذه الفكرة مشيراً إلى ضرورة التأسيس لقاعدة مواجهة لحالة الاستهداف التي تطال المؤسسة الثقافية والمثقف بشكل عام عبر غير طريقة وأسلوب ومنهج .. وأوضح حالة الارتباك التي يمرّ بها الشباب الفلسطيني ما جعل العدو ينسلُّ من الخاصرة الضعيفة لتمرير أفكاره ومشاريعه وإضعاف الجبهة الداخلية وتفتيتها .

محذراً مما تسوقه بعد دكاكين الـ(NGOS ) من مشاريع لاهدف لها سوى النيل من حريتنا وصلابتنا الروحية والنفسية، موضحاً خطر التمويل المشروط ومحاولة (بذور السلام) للتغلغل في النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتحديداً جيل الشباب واستغلالهم لما يخدم أهداف النقيض ورؤاه وخططه.

كما قدّم الفنان الشاعر مروان العلان مداخلة استعرض فيها الصلابة الروحية للراحل حسين البرغوثي وفضح النقيض وممارساته في روايته (الضفة الثالثة لنهر الأردن) ومما جاء فيها :

"ليس صحيحاً أن لنهر الأردن ضفتين ؛ ضفة لهم والضفة الأخرى لهم ..

كما أنه ليس صحيحاً أن لنهر الأردن ضفتين ؛ ضفة لنا والضفة الأخرى لنا ..

وبالتأكيد ليس صحيحاً أن لنهر الأردن ضفتين ضفة لنا والضفة الأخرى لهم .. وعندما حاول حسين البرغوثي أن يعرف أين هو نهر الأردن ، اكتشف الضفة الثالثة..

ما هي ضفة النهر الثالثة التي اكتشفها حسين البرغوثي، وأين هي الضفاف الأخرى التي أعرفها ..؟ حاولت تخليص حسين من ركام الكلمات الهاطلة على روحي .. ورؤيته كما هو، بدون ذاكرة المدن، أو تداعيات الرحيل المستمر ..

ولست هنا لقراءة كتاب، رواية، ولا أذهب للتحليل، ولكني أحاول أن أرى ما رآه مما لم يره العابرون بين سطوره. ولست هنا أحمّل النص أكثر مما يحتمل، لأن حسين البرغوثي كان يحتمل الكثير ويرى أكثر بكثير .. هنا بعض مما قاله حسين البرغوثي في روايته، وأنا أحاول الفهم ما استطعت".

لتختتم الندوة بمداخلة قدمها النائب الأستاذ خالد سليمان : قدّم فيها الرؤية الإسلامية الدينية لمفهوم الآخر متكئاً على النصوص القرآنية التي استعرضها واستشهد بها .. مؤكداً انفتاح الإسلام على مفهوم (الآخر) غير المعتدي .. وأن المعتدي يخلق سياقه وبالضرورة ثمة وجود مقاومة في ظل وجود (الآخر) المعتدي، وفي الحالة الفلسطينية قارب سليمان موضوعة التطبيع في استعراضه لمحاولة (إسرائيل) تمرير مخططاتها في إطار السعي لكي تكون طبيعية ومقبولة في المجتمع الفلسطيني والعربي، موضحاً أنه على الرغم من اتفاقية كامب ديفيد إلا أن التطبيع مع الاحتلال مازال مرفوضاً ثقافية في الشارع والمؤسسة الثقافية المصرية وجموع المثقفين المصريين على سبيل المثال، مؤكداً حدوث اختراق في الساحة الفلسطينية بخصوص بعض الأسماء الثقافية .. وفي المقابل ثمة أصوات ثقافية ومؤسسات ترفع الصوت عالياً لرفض التطبيع في إطار التأكيد على الثوابت الوطنية وتصليب قاعدة المواجهة للاحتلال بالاعتماد على البعد المعرفي والثقافي لأن معركتنا مع الاحتلال معركة ثقافية بالضرورة ..

وقد تخللّ الندوة نقاش تقدمّ به الفنان جواد إبراهيم والفنان كريم دباح والناقد الشاعر د. عبد الرحيم الشيخ وعدد من طلاب الجامعة ..

الندوة الثانية عقدت على السابعة مساء في قاعة حسين البرغوثي في بيت الشعر الفلسطيني والتي تحدث فيها الطلبة من الأصوات الجديدة تحت عنوان : أصوات من فلسطين – أجندات بديلة .. تحدث فيها كلٌ من : آيات حمدان، نداء عبد الكريم، أحمد أبو قمصان، أحمد قبعة، ونداء ربعي، الذي أشاروا إلى دور وقدرة حسين البرغوثي على التأثير في المشهد الثقافي الفلسطيني وتحديداً الجيل الجديد الذي اهتم به حسين البرغوثي وقدّم له الرعاية الأكيدة والمتابعة الحثيثة منذ صدور كتاب (ضيوف النار الدائمون) للأصوات الشابة، وحتى قبل رحيله  ..

وأكدت الأصوات الجديدة ضرورة وجود مثل هذا الصوت الفعّال الذي نفتقده في هذه اللحظات التي تحتاج لعقل أعلى يمنعنا من السقوط في الابتذال والتردي الفاجع وقد أدار الندوة الشاعر مراد السوداني.