محمود شقير:

تجريب داخل التجريب

 وليد أبو بكر

 غالبا ما أزعم أمام نفسي، وربما أمام بعض الناس أحيانا، أنني أعرف محمود شقير جيدا، لكثرة ما أحبّ أن أقرأ قديمه وجديده، لكني في الواقع أفاجأ، كلما قرأته ثانية، في قديمه أو جديده، أنني أكتشف فيه زوايا أخرى، لم أكن تعرفت عليها، تجعل صورته أمام نفسي تزداد نصاعة، فأحبها أكثر، وأتذكر أن الأدب الحقيقيّ لا يسلّم نفسه بسهولة، وأن كل قراءة فيه تكون فريدة، لما يكشفه عن نفسه، وعن نفس من يقرأه أيضا.

 بالمناسبة التي نعيشها الآن، تكريما لرجل يستحقّ التكريم، قصدت أن أقرأ محمود شقير في زاوية خاصة من إنتاجه، تمنحه كثيرا من التميّز عن غيره من الكتاب العرب، هي زاوية القصة القصيرة جدا، التي قدّم فيها ثلاث مجموعات كاملة، يمكن أن توصف بأنها تجريب داخل التجريب، لا يتخلّى كاتبها، في الوقت ذاته، من الالتزام بالإنسان في أدبه، ولا يحيد عن موقفه الذي يتسم يالثبات، حتى وهو يختار للتعبير عنه طرقا شتى.

 وأنا أقرأ، كانت قناعتي القديمة بهذا الكاتب تتعمق، وهي أنني كلما ازددت منه قراءة، كلما رأيت جديدا فيه، يضيف خطوطا عميقة إلى الأصل الثابت، تجعل صورته، كأديب واقعي المنحى، لا يكف عن التجريب، وكإنسان له من سمات أدبه نصيب، تزداد نقاء.

في الواقعية، أرى أن هذا الكاتب يغرف من داخل مجتمعه، سواء أكان فيه، أم حمله معه في المنافي. وقد ظل وفيا لهذا النبع منذ مطلع كتابته، لكن هذه الواقعية تكون بين يديه فنا، ثم تتحرك إلى الأمام، لتكون فنا عصريا، يدخل مناطق الحداثة دون ضعف، ويتأمل داخلها، بشكل أعمق، حتى يتمكن من التعبير عن مرجعيته الأولى، داخل مجتمعه.

خلال القراءة الجديدة، للمجموعات الثلاث متوالية، لاحظت بوضوح أن فن محمود شقير، في هذا اللون الصعب من الكتابة، يتقدم بخطى ثابتة، وينزاح عن الواقع، تجربة بعد تجربة، لصالح الفن، دون أن يتخلى عن صلته بهذا الواقع.

في قصص "طقوس للمرأة الشقية"، تظهر صورة الواقع جلية، وكما هي، فنجد في الغالب شخصيات من لم ودم، يمكن التعرف على ما يشبهها حولنا، سلوكا وسمات شخصية. وهي شخصيات تعاني ضغط الواقع، الذي يجسده الاضطهاد بأشكاله المتعددة، وعلى رأسها الاحتلال، الذي يغطي أوسع مساحة من أرضيات القصص جميعا. كما أنها شخصيات تواجه المعاناة برد فعل طبيعي، غالبا ما يكون متوقعا.

في "صمت النوافذ"، نشعر بأن الواقع يحاول أن يتخفى قليلا، ليخلق نوعا من التوازن بين ما هو عادي من سلوك، وما يقترب من عالم الفانتازيا، من امرأة تستحم بالحليب مثلا، إلى أخرى تمارس حريتها في التعري، تحت شجرة عيد الميلاد، في حفلة يعيش كل من فيها ذاته المنفردة وسط الزحام، وبذلك يختلط ما هو حسي بما هو فانتازي، في مزيج يفيض عذوبة، قد تكون صادمة في بعض الأحيان.

في "مرور خاطف"، يتحوّل الفن إلى ما يشبه عزفا على أوتار الواقع، لا التقاطا مباشرا منه. وفي هذه المرحلة الانزياح عن الواقع واسعا، إلى الحد الذي يجلس فيه الشهيد، مثلا، وسط المعزين برحيله، وهو أحلى ما وصل إليه فن الكتابة في هذا اللون، عند كاتبنا الذي لا يحتمل الثبات، إيمانا بالتغير، ولا يقبل لنفسه أن توقفه أية حدود، في مساحة التجريب المفتوحة أبدا.

على المستوى الإنساني، يمكن أن ترصد في قصص هذا اللون تحولات الكائن (المرأة/الرجل/الطفل/الحيوان) من خلال حالتين تتنازعان الشخصية/البطل: واحدة تتعلق بالمشاركة الوجدانية الفاعلة لمن حوله، وهي حالة تبدو أكثر وضوحا في التعامل مع المرأة، الأكثر اضطهادا في مجتمع يشكل مرجعية الكاتب، وأخرى تتعلق بالإحساس الشديد بالوحدة، حتى وسط الصخب، وهي حالة تتناسب طرديا – في العادة – مع عمق الموهبة، كما تشير الدراسات الخاصة بنفسيات المبدعين، وصفة الإبداع، في تجلياته العميقة، لا تحتاج إلى نقاش، في حالة محمود شقير.

تبرز حالة الوحدة في هذا اللون من التعبير القصصي، في اتجاهين متداخلين، طبعا قصص المجموعات الثلاث إلى حد كبير: الأول هو بقاء الأبطال في حالة سفر دائم، سواء أجاء ذلك بالتعبير المباشر، أو عن طريق تعدد الأمكنة والأزمنة في القصص. والثاني هو الفقدان، الذي يمكن أن تدخل حالة السفر في مجاله، ولكن تمييزه يكون أدق، لأنه فقدان اللاعودة، فقدان الرحيل الأخير، الذي تحمله كل أشكال الموت، طبيعيا كان، أم عن طريق الهجر، وفراق الأحباب.

وليس من الصعب التوصل إلى مصادر الوحي لمثل هذه الأحاسيس، ما دام الاحتلال ماثلا في كلّ القصص، وما دام يمثل العامل الحاسم في الحياة غير المكتملة للشخصيات فيها. ومن الواضح أن السفر يشكّل المعادل الذي لا مناص منه للإبعاد عن الوطن، الذي تعرض له الكاتب قسرا، بما ينتهي به من عودة لا تشبه العودة، عمّقت الصورة القديمة لما يفعله الاحتلال، وأضافت إليها أبعادا واقعية أخرى.

أما الفقدان، في صيغته الأخيرة، التي تعني الموت، فهو الحدث اليومي الواقعي، الذي يتمثل في رحيل لا يتوقف، من قبل أعزاء لا يمكن التعود على رحيلهم، أو قبوله، ما يفسر عودة هؤلاء الأحباء، تجسيدا يدخل حدود الهلوسة، لكنه يبقى صورة مقنعة لما يحدث داخل الشخصيات.

هكذا تبقى صلة محمود شقير بالواقع متينة، حتى حين يخرج عن منطقه كثيرا، لأن هذا الخروج لا يعني انفصالا، بقدر ما يعني مزيدا من التفاعل الذي يحيل إلى صيغة متقدمة في التعبير.