عبد اللطيف عقل:

ما أكثر الشعراء!

 

قبل منتصف الستينات، كان الصوت يجيء من هنا، تزكّيه شهادة من فدوى طوقان. كان الصوت أصيلا. هكذا تلمسناه عن بعد، فحاولنا أن نتعرف عليه، وأن نقدمه من خلال شعره. ثم كان الاحتلال، وتدفق الصوت، وصارت له مكانته. لكنّ صاحبه، الذي رأى أن الشعراء، مثل الخلان، ما أكثرهم، وجد لنفسه مكانا آخر، أو مكانة أخرى، قلّ العابرون فيها على هذه الأرض، وفي شتاتها أيضا، بشكل ما يزال يثير السؤال حول غياب الكتابة المسرحية التي تتجاوز مرحلة المحاولة، فلسطينيا، حتى الآن، رغم تميز الساحة الفلسطينية في ألوان الإبداع الأخرى.

أقدم عبد اللطيف عقل على تجربة المسرح وهو يشعر بأنها أكثر قدرة على استيعاب أفكاره التي عبّر عنها بالشعر، لأن الأصوات في المسرح تتعدّد، والوسيلة تصبح أكثر طاقة على الأداء. ومنذ "المفتاح"، استطاع الشاعر أن يخطّ لنفسه طريقا في الكتابة المسرحية، تواصل حتى "الحجر في مطرحه قنطار"، مرورا بأعمال كان لها بريقها على الخشبة، حين قدّم بعضَها مخرجون كبار، مثل التونسي المنصف السويسي والعراقي قاسم محمد، وكان لأحد العروض صدى ما يزال مستمرا، بحيث  يعتزّ زهير النوباني – ممثلا ومنتجا – بأن مسرحية "البلاد طلبت أهلها" ربما كانت أكثر تجاربه المسرحية أهمية.

مسرحيا، لم يخرج الشاعر في موقفه الوطنيّ عن مساره الشعري. كان المكان – الوطن هو هاجسه، مجسدا بشكل رمزيّ في الغالب، أو مختصرا في مساحة ضيقة، تمتدّ من البحر إلى النهر، أو تتسع من المحيط إلى الخليج: ما حدث فيه وما يحدث، حتى يكاد يتحول إلى تاريخ، تروى فيه الوقائع من خلال شخصيات الوطن ورموزه: سلمى  في "العرس" هي فلسطين المغتصبة المشطورة المحتلة، هي البلاد، وهي أم الزيتون، وأرض بني مازن، وهي كل ما حمله الشاعر في قلبه، وعبر عنه، حتى أنهك منه القلب.

ولأن الوطن هو الوطن، فإن التطلّع إلى حريته، وإلى الحرية فيه، هو النشيد: إن حرية الوطن هي ذاتها حرية المواطن. وإذا كان الشاعر تحرك مع التاريخ - مأساة الوطن في مسرحه، من "تشريقة بني مازن" الأولى، حتى الشتات الكامل، فهو لم ينس أن يرصد أعداء الوطن، أعداء الحرية، من التقاليد التي تحول دون انطلاقته، إلى الاستعمار الذي يكبّله، وإلى ذوي القربى الذين يتوزعون أشلاءه. ومن خلال هذه الصور بات شعار تسليم القضية إلى أصحابها مبررا: فالمفتاح لا يصحّ أن يجده إلا عودة، الذي يتناسخ جيلا بعد جيل، والبلاد لا تكون بلادا إلا إذا طلبت أهلها.

حتى يوصل مقولة الحرية الأساسية في فكره، توسل الشاعر بعديد من السبل المسرحية، في القول وفي الفعل المسرحي. ولأنّ اللغة هي لعبته الأصلية، فقد كانت من أبرز ما اختار، حين وظّف حسّه الشعري في مسرحه، دون أن ينزلق إلى المبادلة. وفي هذا التوجه استفاد الشاعر/الكاتب من اللعب على معاني الكلمات. ولعل مثلا واحدا، هو  الأبلغ لديه، يمكن أن يشير: إن كلمة تمثيل، بكل المعاني التي تعنيها في المسرح وفي الحياة، شكلت أساسا دراميا في مسرحية "العرس"، كما شكل غيرها مواقف، بعضها أساسي، وبعضها الآخر عابر، في كل الأعمال الأخرى.

وبالرغم من حالة اليأس التي تنتاب الواقع في الأعمال جميعا، فإن باب الأمل لا يغلق قط، لأن شيئا من الثيات يظل حيا: فالمفتاح يظهر، وعودة لا يموت ولا يتحوّل، وسلمى لا تحمل من غير الرجل الذي تحب، والبلاد تستمر في طلب أهلها، والحجر لا يكون قنطارا إلا في مطرحه.

وإذا كانت الأسماء وسيلة دائمة للتعبير الرمزي لدى الكاتب، إلا أن الفعل هو الذي يقود أعماله معظم الوقت، برموز بعضها معروف، وبعضها الآخر يخص الكاتب، أو يميزه.

إن البشرى بولادة جديدة، كطريق رمزي لتواصل الأجيال في حمل قضية ما، رمز معروف، وهو يكاد يتكّرر في معظم أعمال الكاتب، ليشكّل وسيلة مقاومة مستمرة، لكن تغيّر طبيعة الحب مثلا، من الشعرية إلى الواقعية، ومن التخيّل إلى الفعل، ومن الحلم إلى السلوك، جاء تعبيرا رمزيا له خصوصيته، اتكأ عليه الكاتب غير مرة، فحمل في سياقه بلاغة سخية.

وفي السياق الرمزي، لا يمكن إهمال الإشارة إلى ما في طبيعة الوطن ومكوناته من رموز يصعب أن تغيب، تشكل الأرض المهددة أو المستباحة أو التي يحلم أصحابها باستعادتها، ركنا أساسيا في هذا الشأن، كما يشكله الزيتون، بقدرته على الخلود. كما لا يمكن إهمال الإشارة إلى توظيف الفولكلور الفلسطيني، ، لما يخلقه من تشويق في العروض، وكسر للرتابة، وتأثير أخرج الناس في مظاهرة ذات عرض.

وقد غلبت المقولات والمواقف والأفكار على طبيعة الأعمال المسرحية للشاعر، إلى الحد الذي كان يصعب فيه تحديد معظم شخصياته، ما جعله يعمد إلى شخصيات دون أسماء، مثل مشاهد، أو ممثل، أو صوت، أو فتاة، وهو ما لم تخل منه واحدة من مسرحياته. 

التقيته مرة واحدة في عمّان، وأدركت أننا متعارفان جيّدا. كان يتشوق إلى العودة بعد غياب، ويحلم بأن البلاد ستجلب أهلها. رحل بعد ذلك بقليل، وقط قبل أن يتحول الحلم بقليل.

ماذا كان أبو الطيب الأحدث سيقول؟

وحسب المنايا، كما قال أبو الطيب الأقدم؟

علينا أن نعيد قراءة نصّه حتى نعرف!

 

وليد أبو بكر