في حفل تكريمه في بيت الشعر

ريح ناعمة مرحة

صبحي شحروري

 لو كان الأمر موكولاً إليّ كنت رفعت كأساً فارغة، وقلت لكم في صحتكم، فقد توقفت عن الكتابة منذ زمن بعيد. غير أن هذا غير صحيح، فشيطاني الموكّل بي ما زال يعمل، وهو يسوقني معه، وما زال فيّ منقوع يتفشّى كما الحبر الأسود، يلح عليّ، ويضعني في دائرة المساءلة.

وها ريح ناعمة مرحة تأتي إلى القمة الخفيضة في بلعا مباشرة من عمنا المتوسط وتداعبني وتغريني بالنظر إلى طولكرم التي أحب، وأراها منبطحة هناك تفتح ذراعيها لي، شيء في داخلي يلمع، ويلمع شيء آخر في هذا الواقع (لعيادية).

عتمة جسد ممشوق القوام ما زالت تمر أمامي وتدلع لسانها لي، إنه العمر الذي مضى.

أرد في داخلي إياك أن تطلبي مني شيئاً آخر جديداً، كل ما لدي فتحته لك. وأمر واحد عسيراً وعزيزاً يبقى، ذكّرني به الشاعر مراد السوداني، إنه التراث أو الفولكلور أو شيء آخر لا أعرفه، هي أسماء، أما هو فمثل حياتي التي عشت منذ وعيت على الحياة والدنيا أواخر ثورة (1936-1939) وهي ثورة فلسطين الكبرى.

أريد أن أنيخ مثل جمل، في مكان آمن ربما، وأقول دونكم ما لدي وماذا ادخرت. أريد نأن أن يدون ويدرس لا أن يتاجر به أو يسرق ويختطف.

طوال عمري ما سعيت كي أكون ناطوراً، سكرتيراً، رئيساً، عضواً، أحداً أي أحد. كل ما أ{دته أن أكون أنا نفسي، وهو أمر لم أتيقن منه حتى الآن. يشدني إليه بيت الشعر، بيت أصدقاء أيام كان المتوكل طه من قلقيلية وحتى الآن، أريد له أن يستمر ويبقى، وأن نعود إلى الحياة من جديد عمتنا الشعراء. كان متوكل ينفخها فتفيض عربياً.

ليتها تعود حتى لو كانت انحف أو أخف.

بيت الشعر بيت الكتاب، بيت الشعراء، إنه أكثر من بيت يأوي إليه الناس، غنه مدرسة، يشدك، يدفعك للكتابة مطلق وجوده يفعل ذلك.

عن العزيز الغائب حسين جميل البرغوثي أني عرفته جيداً يوم سكن بيت الحجر كما يقول، كنت قد نمت على أمجاد خاوية، وحين جئت إلى البيت عند أولادي وعند محمد أسعد صديق الراحل العظيم، كنا نسهر وكان لدى حسين كتاب لو كاتش في الرواية، الرواية كملحمة البرجوازية باللغة بالإنجليزية. تشدني الجلسات وتواصل الحديث والحوار وتعلمت من الحضور ومن حسين شخصياً أشياء كثيرة غير تقليدية، وغير ما كنت أهتم به، وعرفت أنه من خلال هنغاريا درس الفلسفة الألمانية، واطلع على نحو ملفت على كثير مما يمكن أن نتعلم منه وأن نحاوره.

وكان بالإضافة لذلك شعر جديد لم نعتده ينشر، محمد مسعد كان ينشر شعره وحسين البرغوثي نشر شعراًُ كثيراً، وقد كان حظي أن أكتب عن قصيدته الزنجية. كان حسين حرباً على العادة والتقليد يكسر ويحطّم ولا يبالي.

وعندما أكمل في أمريكا حاز المجد من جانبيه واكتملت ثقافته/ وكان يدور وتدور ناره معه، كل ذلك أغرى به الكثيرين ممن أصبحوا طلاّبه.

لم أكن أتوقع أن تهتموا بعجوز قصير كبير الرأس يدور في الأسواق ويحدث نفسهى أحياناً، أما وقد ثبت أنكم تهتمون، فقد أعدتم إليّ الأمل، وحركتم في داخلي مقبض ساعتي السرية من جديد.

أزجي لكم الشكر وأعد بالمتابعة وقراءة الشعر والكتابة عنه تشوقني وهي مجال هوسي ومتابعتي.

أيها الأعزاء شكراً لكل واحد باسمه وعلى أمل اللقاء من جديد.