عن الكتابة وتهميش الثقافة والمثقفين

محمود شقير

 سأروي لكم شيئاً من علاقتي مع الكتابة.

سأقول : إن الكتابة متعتني وعذبتني في الوقت نفسه. كانت الكتابة وما زالت هي الرئة التي أتنفس منها. أحاول من خلالها أن أروض نفسي ونفوس من هم حولي ومن يقرؤون لي، على نبذ التخلف والتعصب وضيق الأفق والانغلاق. وهي، أي الكتابة، كانت وما زالت جحيمي الذي أتلظى بناره حينما لا أستطيع التغلغل في ثناياها والدخول الناجح إلى أسرارها وخفاياها، وحينما أرى أن ما أنجزته وما أنجزه غيري من المثقفين الفلسطينيين والعرب، لا يفعل فعله في أرض واقعنا الصلدة، ويبقى مهملاً هناك في الهامش القصي بفعل سياسات رسمية خاطئة، ورؤى سياسية فقيرة الأبعاد أو متواطئة.

كتبت منذ أيام الشباب الأولى قصصاً ومقالات. أرسلت المقالات الى إحدى الصحف الصادرة في القدس، ولم تنشر الصحيفة أيّاً منها. أرسلت القصص الى المجلة الثقافية الوحيدة التي صدرت في القدس أوائل الستينيات من القرن الماضي، ولم تنشر أيّاً منها. لم تنشر لي المجلة أول قصّة إلاّ بعد كدّ في حقل الكتابة وتعب.

غير أن الرسالة التي كتبتها الى ذلك الوزير المعمم، جعلتني على قناعة بأن لدي قدرة على الكتابة التي تجعل متلقيها مقتنعاً بما أطرحه فيها من كلام. حدث ذلك بعد أن حصلت على شهادة الدراسة الثانوية أواخر الخمسينيات. كان الذهاب الى الجامعة متعذراً بسبب ظروف والدي الاقتصادية التي لا تسرّ البال.

كتبت رسالة ضمنتها كل ما أستطيعه من قدرة على صياغة الكلمات، إلى وزير التربية والتعليم، شرحت له فيها أحوال أسرتي، وطالبت بوظيفة وأنا الخريج الناجح بمعدل معقول.

كانت الوظائف في تلك الأيام صعبة المنال. بعد أسبوعين من ذهاب الرسالة إليه عبر البريد، قرأت اسمي في الصحيفة المحلية مع عدد آخر من الخريجين المطلوبين لمراجعة مديرية التربية والتعليم لتعيينهم مدرسين. ذهبت الى المديرية في إحدى قرى رام الله.

جاء أحد أصدقاء أبي الى بيتنا معتقداً أن وظيفتي، وربما وظائف أخرى لا يعلمها، خرجت من معطف أبي، طلب من أبي التوسط لابنه كي يصبح مدرساً. راقت لأبي هذه المهمة كما لو أنها ذكرته بأيام وجاهته السابقة حينما كان مختاراً للعشيرة. طلب مني بعد أن أودّع صديقه، أن أكتب للوزير رسالة أخرى.

رفضت طلبه لإحساسي بأن ما أكتبه ينبغي له أن يعبّر عني بصدق. وأزعم أنني لم أحَدْ عن هذا النهج في علاقتي بالكتابه طوال السنوات التي انقضت. وأبي كما أعتقد لم يكن يقصد توريطي في موقف غير مستحب بقدر ما كان معنياً، عن حسن نية، بتكريس مجد شخصي وبتقديم خدمة لصديق. عند تلك الرسالة التي لم أكتبها وقع أول افتراق بيني وبين أبي .

ولم يكن أبي أميّاً. كان يعرف القراءة والكتابة. استطاع جدّي عبر علاقاته مع بعض المتنفذّين في المدينة، أن يرسل أبي الى مدرسة دار الأيتام الإسلامية في القدس، باعتباره طفلاً يتيماً. ابتدع جدي حيلة من نوع ما، وسجّل ابنه في المدرسة التي داوم فيها وأقام في سكنها الداخلي سنتين. غير أنه لم يحتمل الابتعاد عن العشيرة التي كانت تقيم مع قطعان أغنامها في البريّة، فانقطع عن الدراسة وعاد الى البريّة.

ومع ذلك، فإنه لم ينسَ القراءة والكتابة. كان في شبابه وحتى وقت متأخّر من حياته، يقرأ الصحيفة وإن بغير انتظام. وكان يسجّل في دفترة الوحيد، وقائع لها علاقة بما عليه من ديون، وبما اشتراه من مواد غذائية وملابس للأسرة في هذا الشهر أو ذاك، وكان يحب كتابة الرسائل، التي تظهر فيها بعض مصطلحات أدبية أو سياسية قرأها في الصحيفة واستمع إليها في المذياع. حينما كنت منفياً في مدينة براغ مدة ثلاث سنوات، انفتح خط المكاتبات بيني وبينه. كان يبدأ مكتوبه الذي يرسله لي من القدس بالقول: ولدنا الحبيب وولي عهدنا الغالي محمود. ولم يكن يتخلى عن هذه الصيغة التي تتخلق من حولها مشاعر مبهمة، تدفع الى الظن بأننا منحدرون من سلالة ملكية ما. وحينما كان يندلع بيني وبينه خلاف، على تقسيم الإرث مثلاً أو على غيره من الأمور، فإن رسائله تغدو متجهمة خالية من أية إشارة الى اسمي، بحيث لا يبقى حبّ ولا ولاية عهد ولا من يفرحون.

غير أن غضب أبي لم يكن يصمد طويلاً. يتلاشى غضبه وتتواصل المكاتبات بيننا. أنا أكتب له رسائل مختصرة، وهو يدبّج لي رسائل طويلة، ينقصها الكثير من البراعة والإتقان.

ولو كنت أعرف اننا سنشهد أحوالاً سيئة كالتي نشهدها الآن، لما سمحت لأبي بأن يغادر المدرسة بعد سنتين. كنت قبضت على يده وأخذته الى المدرسة وحذّرته من مغبّة تركها. كنت ألزمته بالبقاء فيها حتّى سنة التخرّج النهائية. كنت طالبت مع غيري من المنورين الفلسطينيين، بتوفير مدارس حديثة تعتمد مناهج دراسية تحترم العقل وتعلي من قيمة الإنسان. كنت قبضت على يد أمّي، أيضاً، وأخذتها إلى المدرسة. كنت اشتريت لها مريولاً مدرسياً أخضر وجوربين أبيضين وحذاء، كنت طلبت من أمها أن تخيط لها حقيبة من قماش، تضع فيها دفترها وقلمها وكتابها. أمي أمضت عمرها كله وهي لا تقرأ ولا تكتب.

وأنا مع الأسف، لم أكن موجوداً هنا حينما قرّر أبي ترك المدرسة، ولم أكن موجوداً هناك حينما لم تذهب أمي الى المدرسة. ولم يبقَ لي سوى أن أعيد النظر في الحيلة التي ابتدعها جدّي، لكي يضع أبي في محلّ طفل يتيم آخر، كان بإمكانه، أي هذا الطفل الآخر، أن يواصل تعلّمه في المدرسة وفي الجامعة. لعلّه يتخرّج فيهما، ثم ينطلق الى الدنيا مزوّداً برؤى سديدة، تمكّنه من رسم أفق جديد لحياتنا، يجعلها أجمل وأنقى وأسمى وأعدل.

ولكن، لماذا أبتعد كثيراً وأضع على عاتق جدّي كل هذا القدر من المسؤولية؟ لماذا لا أسأل الأحزاب والتنظيمات السياسية وقوى المجتمع المدني عما أنجزته خلال العقود الماضية؟ ولماذا لا أسألني عما فعلته أنا وزملائي الكُتّاب والمثقفين؟ هل لو نهضنا بمهماتنا على غير نحو صحيح، كان يمكن للرؤى السلفية المتزمتة أن تأخذنا الى حيث تأخذنا الآن؟ هل كان صف الأعداء من إمبرياليين وصهاينة وقوى اجتماعية محافظة، أقوى من صفّنا، فلم نستطع تحقيق انتصارات ملموسة؟ هل ارتكبنا أخطاء فادحة ولم نقم بتصحيحها في الوقت المناسب فاستفحل أمرها الآن؟ ألم يحن الوقت لكي ندرك بأن تهميش الثقافة والمثقفين، مسؤول إلى حدّ كبير عن سيادة الجهل والتخلّف والانحطاط بين ظهرانينا، وكذلك سيادة كل نزعات التعصّب والفئوية وانهيار القيم وتفكّك النسيج الداخلي لمجتمعنا الذي ما زال يعاني من ويلات الاحتلال ومن قمعه الوحشي البربري؟

ولست أرغب في أن أكون مفرطاً في التشاؤم، ولا منكراً لفضل من قدّموا تضحيات، ومن أنجزوا معارف في الثقافة وفي السياسة، إذ رغم كل ما في واقعنا الراهن من تجهم وانسداد، فإن ما كدّسته الحركة الوطنية الفلسطينية وأحزابها وتنظيماتها، وما كدّسته الثقافة الوطنية الديمقراطية الفلسطينية من إنجازات، لن يندثر ولن يستطيع أحد طمسه بسهولة واستخفاف. غير أن الركون الى التفاؤل والنوم المريح على ذكرى الإنجازات، لن يقودنا خطوة واحدة إلى الأمام.

ولا بدّ في هذه الحالة، من ابتداع وسائل فعّالة لنشر الثقافة الوطنية الديمقراطية في أوساط الناس، بما تعنيه هذه الثقافة من تكريس للمواطنة، واحترام العقل وحريّة التعبير والتعددية في المواقف والآراء، ونبذٍ لكل ما من شأنه أن يهوي بنا الى الحضيض، في زمن تتطلع فيه شعوب أخرى الى قمم جديدة على طريق التقدّم والارتقاء!