عن عادل سمارة

و سياسات الشهادة ، والحمق

 

أسبوع حسين البرغوثي الثاني للثقافة الفلسطينية (20-26 أيار 2007)

الأربعاء 23 أيار 2007 ( بيت الشعر-رام الله)

 عبد الرحيم الشيخ

 "على الشهداء إن بعثوا للحياة أن يكافحوا من أجل حذف أسمائهم من سجل الموتى،طوال حياتهم"، يقول ابن الخائن في رائعة الطاهر وطار:"الشهداء يعودون هذا الأسبوع"،إذ على الشهداء أن يتدربوا على الحياة في مكان آخر،أولاً،إن هم أرادوا العودة إلى الحياة في بلاد الخيانة،لأن المجتمع لا يريدهم:"تصوروا أن المجتمع،وفي مقدمته ذويهم،ينكرهم ويتجاهلهم أو حتى أنه يرفع عليهم دعاوى في المحاكم بصفتهم محتالين!" يقول الرواي.أما الشيخُ العابد،والدُ الشهيدِ الذي جاءته رسالةٌ من بريد بعيد تفيد بعودة الشهداء،فيقول:"لا أحدَ يرحب بعودتهم.لا المخلصُ ولا الانتهازي،لا المناضلُ،ولا الخائن.هؤلاء الناس:ما بهم؟أيةُ عربةٍ ركبوا؟هكذا أغلقوا الحلقة على أنفسهم بكل ما فيها،بخيرها وبشرِّها،بسخطهم،وبرضاهم..أي غول بلَّد إحساسهم.العربة التي ركبوها لا تسير.انفصلت عن بقية القطار،وظلت في النفق،إنهم لا يدركون ذلك إلا عندما يصدمهم قطارٌ آخرَ.ويصدم عربتهم ليدفعها إلى أمامه"،يقول الشيخُ العابدُ،"حتى الذين ضحوا بأرواحهم من أجل إسعادنا،نشك في موقفهم من القضايا الثورية.أيةُ أفكارٍ يمكن أن يعودوا بها غيرَ التي ماتوا من أجلها؟وإذا كنا نحن الأحياء قد وقعنا في فخ الخونة والانتهازيين وغرقنا في متاع الحياة ولم ننتبه أن العربة التي نركبها انفصلت عن القطار..فهولاء الأعزاء المقدسون،إضافةً إلى أنهم أخلصُنا،لأنهم ضحوا أكثر منا،لم يلَوَّثوا بمشاكل الحياة بعد..إنهم القطار الذي يلج النفق ويدفع العربةَ المنفصلة أمامه.لعل الاصطدام يخرج العربة،والقطار عن السكة.لعل القطار يأتي من الجانب الآخر ليعيد العربة إلى الخلف."..يقول الشيخُ العابدُ،ثم يلقي بالجسد حيث ألقى الروح:أمام قطار الخطيئة ليُخرج عربةَ الخطأ من ظُلمة النفق إلى أفق الحياة.

 عادل سمارة

أنت مقولة الشهيد،في عوده الأبدي،وهو يحرج:الخائنَ،وابنَه.

أنت مقولة الشهيد،في عوده الأبدي،وهو يُخرج:قاضي القضاة،من شُبهة العدل،وهو يلزمك بالنضال ثانيةً لتثبت اسمك في سجل الحياة.

أنت مقولة الشهيد،في عوده الأبدي،وهو يُنتجُ رأس المال،الذي في المقولة،من غير سوء.

أنت مقولة الشهيد،في عوده الأبدي،وهو يبدد أوهام النخبة وأوهامَ أختِها في السفاح-النخبةَ المضادة.

أنت مقولة الشهيد،في عوده الأبدي،وهو يبصُقُ في المعجمَ الطبقي ويلقيه في وجه اليسار الغبي.

أنت مقولة الشهيد،في عوده الأبدي،وهو يُراكمُ المقولةَ في القطار القادم من جهة الريح معافاة من أخطاء "اليمين" وخطايا "اليسار"  وخُطى "الوسط"..ليخرج العربةَ العالقة في النفق،ويعيدها إلى رشدها وهو يسحقُ بعضَها. 

فماذا سيقول الشهداءُ لو عادوا،جُزافاً،هذا الأسبوع،غير ما قلت يا عادل سمارة؟

وماذا ستكونُ مقولةُ الشهيد في زمنٍ تصنو فيه سياساتُ الشهادة سياساتِ الحمق؟يقول ابن الأعرابي:"إنما سميت البقلةُ:"الحمقاء" لأنها تنبتُ في سبيل الماءِ وطريق الإبل".تتعهرُ اللغةُ،وتجعلُ الوقوف ضد التيار "حمقاً".ثم تحاول اللغةُ،في تهالكٍ ممض،أن تحتازَ عفَّتها ثانيةً لتجعل الشهيد شاهداً بعد أن كانَ أحمقَ واقفاً في وجه التيار ومصروعاً به.تختلط سياسات الشهادة في الزمن الفلسطيني بسياسات الحُمق،ولكن الشهيد الذي يستثمر في القطار القادم من جهة الريح ليخرج العربة من نفقها الاختياري،يحرس مقولته،حين يضيءُ الفكرة،ويعرِّي السلطة،ويوسَّع مساحة الحلم التي تحكمها علاقةٌ لا يتيح لها الانتظام المرّ إلا الشهيدَ-الفكرةَ أو الفكرةَ-الشهيد.

 الشهيدُ صنافيَّةٌ شاقة،طرقها آخرون،ونطرقها نحن.فالشهيد ماهيةٌ تتناتج في الواقع الفلسطيني بعلاقة الأرض والمطر،يبدؤها الشهيد كياناً إنسانياً منحازاً إلى "صف الجوع الكافر" لأنه لا يعرف غيره ولا يتقن البلاغات العالية،ويواصلها مقوداً إلى وطنه الثاني حين يتحول إلى ملصق على حائط،وينتهي إلى لا مكان حين تمسح الأمطار ملصقه عن جدران وطنه وتمسح السلطات ذكراه عن جدران القلوب،لأنها لا ترغب في واحد من شهداء الطاهر وطار،بل ترغب في شهيد يحسن الذهاب ولا يعرف طريق الرجوع.

 والشهيد مفهومٌ حين ينحال الشهيد إلى فكرة،أو يكون الفكرة ذاتها،يكون صانعاً لأجمل الأفكار لأنه حالم بأجمل العوالم:الجنة.يولد،كالفكرة،من لامكان،ويتنهي مثلُها،إلى لا مكان،تولد الفكرة لتقهر موتاً ما،وتنتهي،كالشهيد،تماماً،بموتٍ يقهر الإثنين لأنه في حربٍ مع ما ابتغياه من حرية.فهو الفكرة الخطرة المقتولة بخطورتها،والإغوائية حتى النخاع للحالمين بما وراءها من مجهول،شهيدُ يتبع شهيداً،لا الأول،الداعي،يعرف مكان إقامته،ولا الآخر،المدعو،يعرف مكان الاستضافة.

 والشهيد حلمٌ لأن غايته تقع في عالم الأحلام بكل نعمائيته،هو راءٍ لأفق غير مرئي تمنحه له،ولمن تغويهم فكرتُهُ،مملكةُ الأحلام الضرورية التي لا موت لها ولا وجود من دونها.

 والشهيد سلعةٌ خاسرة دائماً في سوق السلطة-التجارة أو التجارة-السلطة،لأن السلطوي يقطن في عالم يُخارِجُ الأفكار والأحلام في آن معاً،ولا يعرف من فكرة الشهيد إلا رقمَه المتسلسلَ في سجلات التعويض،أي لا يعرف إلا تاريخ إنتاج "دمه المعلَّب" وبالكاد يعرف تاريخ انتهاء صلاحيته!

 فالشهيد،إذن،ماهيةً،ومفهوماً،وحلماً،هو الضد الجميل للسلطة،ولكنه،مع ذلك سلعتها،وضديته نابعة من كونه فكرةً،والفكر يرشح حرية،فيما لا ترشح السلطة إلا استبدادها الخاص..."وللشهيد بداياته المعروفة العصية على التحديد" يقول فيصل درَّاج "يأتي من بيوت عافت ذلها وإيمانٍ بالحق شديدٍ ومن معرفة توحد بين الحق والكرامة...ويذهب إلى حيز معمورٍ بالاحتمالات.يذهب إلى حيث قاده الحلم والوعي الصحيح أو المرتبك أو الدليلُ الذي أخافته العاصفة والمسؤول الذي أراد "عملية جديدة" والبندقيةُ التي أُفْرِغَت طلقاتُها والكمين الذي لم يتوقعه لحظةَ بدء المسير.يذهب الشهيد-الفكرة إلى المواقع التي تذهب إليها الأفكار،مع فرق جوهري:تعثر بعض الأفكار على بعض الكتب التي تحفظها وتحتفظ بها،بينما لا يعثر الشهيد-الفكرةُ على الكتاب الذي يحافظ عليه إلا في فترات من التاريخ عابرةً.بين بعض الأفكار وبعض السلطات علاقة سعيدة،والشهيد-الحالمُ لا سلطةَ تحتضنه لأن السلطات لا تحتضن ما يبدد الحلم ويطارد الحالمين.وتجد فكرة السلطة من يرعى شؤونها،فلها تقام المكتبات ومراكز الدراسات ومن أجلها تعطى الجوائز والألقاب،بينما تقف فكرة الشهيد معلقةً في الفراغ..إلا من سلطة تكره في الشهيد حلُمَه وترى فيه كابوساً.إن حلم الشهيد هو كابوس السلطة،مثلما إن كابوسَ الشهيد اندثارٌ للأحلام.ولذا، تصد السلطة كابوسها المزدوج،بأفكار تصد الأحلام،وتجعل من زمن الشهيد كابوساً تولَّى.وهكذا تقام المكتبات لاجتثاث الأحلام،وتظل هواجس الحالمين موزعةً في الفراغ،لا مكتبات لها".

 هكذا،يرتضي عادل سمارة لفكرته وشهادته أن تكون،أو نرضى نحنُ حتى الساعة.يزيدُ عادل سمارة علمَنا بمقولات ابن عربي في أن "عزَّ العارف في أن يُجهَل" وأن "أعلى مراتب العارف وجودُهُ"،غير أن أصولَ الوصل تقتضي بعض المداعبة في ذكر الخصال الجملية...ولعل أجملَ خصال عادل سمارة هو ولعُه بالهجرة،والمنفى،لا المكانيين القريبين،وهو القريب،وحسب،بل في إنتاج المعرفة التي يصدق عليها وصف جيل دلوز بأنها "معرفة ترحالية"،معرفة القطع التي لا يتوازن فيها الخارج والداخل،ولا تكتمل فيها الهوية،لأن الاكتمال يعني حقيقةً واحدة،هي:الموت،الموت المفارِق لما عليه العارف عادل سمارة ونتاجُه الترحالي في الفكر،والنقد،والسياسة،والاقتصاد من قبلِ عصرٍ لم يكن ذهبياً مرةً للفلسطينيين والعرب إلى ما هما عليه الآن من وهن وانهزام.

 يرأس عادل سمارة تحرير مجلة "كنعان"،ويحرر من خلالها،ومن خلال كتبٍ متواترة تعلو كعوبُها قامات الكتب المذهّبة وتجليدات الحداثة،يحرر عبرها  عقول المتلقين من صنميات كثيرة وأصنام ما كانَ أقلُّها يوماً انتهاءُ الغرامشية حين يصير إدوار سعيد غرامشياً،ولن يكون أكثرها يوماً وقوع عزمي بشارة في التطبيع معكوساً...تستعدي المؤسسة دوماً على الجميل الصارم،والمختلف المُعرِّي لسوءات الهزيمة والانكسار،ولا شيء غيرَ الود تُظهر،وإن لم تبطن،لمن يبشرون بالزمن السعيد وقد امتطتهم أزمانُ غيرِهم....هنا،يقف المثقف الحر ليقول:إن فكرة المؤسسة تضيقُ بمؤسسةِ الفكرة...تضطرها،دوماً،لخروجٍ يصوِّره التوفيقيون بأنه حُمقٌ انتحاري.ليس عادل سمارة بِندا،ولا قدِّيس بِندا،لكنه يلوذ بالروح،ككل حر،وينجو بها،ويحفظها من أن يكون مترجمَ الأمبراطور،أو مهرِّجَه،أو بهلوانَه الدميم رغم رشاقةِ قدمه-الثعبان،أو حاملاً لوسامه الخنجر-الحاضر الأبدي للاغتيال والإقصاء...يغادرُ سمارة،فضاء الفساد المؤسسي العام،تاركاً لمن هرِمَت مرآتُهم وصدأت،لطول هجرانها،ترفَ البقاء على الشاطئ إلى أن يسخن الموج الوَسِخ،ومانحاً إياهم فرصة نكاحِ متعةٍ آخر مع الجهل بوهم التقدميِّة-الوهم التي لا تعرف خيار الأمام إلا لأنها لا ترى في اليمين إلا رَكوبة سائغة،ولا تمكث في اليسار طويلاً لأنه المسار،المسار المالك،دوماً،قدرة طرد الزوان من مركز الفعل إلى قارعة التاريخ.

 وإن كان عادل سمارة اليوم ضيفَ المكان الفسطيني المؤسسي الذي إنما ينتبذ نفسَه بانتباذ هذا العقل الفذ،فإننا نحن ضيوفٌ على أبدية معرفته،وهو الأجل الأكرم،يحدثنا عن أساطير التحضُّر والتوحش في زمن كثر فيه العلماء وقل فيه العارفون.يحدثنا عن آخرية الزمن الجارحة كاشفاً احتكام علاقة "الأنا والآخر" بالزمن،الزمنُ الحاملُ لأزمة الهوية من خلال تذويته سياسياً تحت غطاء اجتماعي.ويعلمنا أن الزمن المعرَّف إجتماعياً على مستوى منظومات العلاقات بين البشر يحكم علاقات السيادة والعبودية بينهم كذلك من خلال صياغة التحولات التاريخية الخاصة في ذواتهم الفردية أو الجمعية.

 هنا،يؤسس عادل سمارة أن تحوُّلات العولمة،بوصفها نظاماً أيديولوجياً "مثالياً" لتملُّك الزمن،تكرِّس هذا البعد من خلال جعلها الناس يعيشون تزامنات ليست متزامنة من ناحية واقعية،اللهم لأنهم يتشاركون بها مكرهين جرَّاء التقاطعات التي أحدثتها منتجات العولمة تقنياً وفكرياً بوصفها رأسمالية متأخرة أوغلت تنبوءات منجمي الخارجية الأمريكية،من محافظين جدد وليبرالين قدامى وهنود لا جلد على وجوههم قديماً أو جديداً،أوغلت في التقديم لها بأساطير البَداء التي جلعت الأسود تنويعاً باهتاً للأبيض،والشمال قبلة أولى رغم خروج الأنبياء من الجنوب...ويلي برانت،صموئيل هنتغتون،ماك لوهان،دانيل بايبس،مارتن كريمر،فوكوياما...وياما كان يا ما من شروط صنعتها السياسة ولم يصنعها التاريخ أنتجت توزيعاً غير عادل بين فراغ الشعوب وعملها،وبذا انتجت سعياً لـ"تملُّك الزمن" أو احتيازه على طريق السيطرة على الآخرين من خلال استبعاد زمنهم الخاص واستعباده واحتلال مساحات أكبر منه:فراغاً وعملاً في غرفة النوم والمطبخ وصف الدراسة...إلا المرزعةَ التي بارك الرب فيها:مزرعة عادل سمارة (الماركسي الأخير على ضفاف المتوسط).

 لم يسكُن عادل سمارة كهف أفلاطون ولا علِّية فولتير...لكنه لم يمنح،يوماً،مجنون منتسكيو،الذي يقطع الشجرة ليأكل تفاحة،أية ابتسامة إضافية،إذ التبسُّم صدقة،والصدقة هي منَّة القادر على المستحق،ومن لا يعرف أن الحرية يجب أن تكون درساً في الاختلاف وأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون إلا درساً في الحرية...لا يستحق بسمةً،بل وصمة لا تفارقه إلى الأبد.

 لن أقول ثانيةً بأنك الشاهد والشهيد،فلن ينشر إعلام القابعين في العربة العالقة في النفق حرفاً من الأولى ولا حركةً من الأخرى،إذ الأولى تهمةٌ والثانية اتهام.ولكن،اسمح لي باتهام إضافي قد ينسلُ إلى صحيفة المؤسسة..إنه اتهام في صورة تهنئة:يعرف الجميع أنك المفكِّر وأستاذُ الاقتصاد اللامع الذي لم تُتِح له المؤسسة فرصة بث التعاليم على مقاعدها الوفيرة.وللمؤسسة أسبابُها،يا صاحبي:فأنت أستاذ الاقتصاد الفاشل الذي يعلِّمُنا كلَّ يوم:أن من يدفعُ الفاتورة هو الرابحُ بامتياز.طوبى لك،وطوبى للفشل الذريع الذي أحال سياسات الحمق،في فلسطين القابعة في النفق،إلى مقولةٍ عُليا في الشهادة.