أعلن خلاله عن جائزة باسمه

بيت الشعر الفلسطيني يفتتح أسبوع الشاعر

عبد اللطيف عقل للثقافة في رام الله

د. المتوكل طه : عبد اللطيف عقل شاهد الشعر وشهيده

رام الله – افتتح بيت الشعر الفلسطيني في رام الله أسبوع عبد اللطيف عقل للثقافة الفلسطينية والذي ينظم في (جنين، نابلس، بيرزيت، رام الله، غزة من 10-14 أيلول 2006).

وقد أفتتح رئيس بيت الشعر الشاعر مراد السوداني الاحتفال بكلمة جاء فيها :

السراج الدامع .. ولكم أن تصفوه بـِ "ناي الأرض المحتلة" .. بلحية ثلجية كثّة ورأس أشيب شاكل لبدة الأسد .. مربوع القامة .. بنظارة تلازم باصرتيه .. هذا هو الشاعر والمفكر د.عبد اللطيف عقل .. المبدع اليتيم .. والغريب تماماً والمتمرّد عن عمق .. والحزين بصدق .. والفعّال باقتدار .. كتاباته كانت إشارات لحالة وعي متقدمة وعابرة للحظة ومتجاوزة لِـ"الآن" .. استطاع عقل وبجدارة أن يفكك الواقع ويغوص في تفاصيل اليومي وهوامش البلاد التي انحاز لها واجترح وقدّ لها من روحه وعرقه الكثير .. لقد خُلق عبد اللطيف عقل ليعطي .. فاحترف البذل والمروءة عباءته الأثيرة .. في نصوصه نرى الألم بكامل حمولته الثقيلة وإيقاعه الفاجع .. ونبصر الغد بآفاقية وبصيرة الشاعر من الخوف الذي لم يأت بعد .. إنّه أبو الطيِّب الفلسطيني المحسَّد البرّي الوَعِرْ والرقيق كدمع الينابيع .. هذه الأوراق صرخات ذابحة حالمة بالتغيير ومؤانسة الفقراء والمحرومين .. وهي صفعات لاهبة للزاحفين وراء الورق الأخضر والأذلاء المهانين الكذبة .. مَنْ يقرأ أبا الطيب يدرك أن فلسطين التجار الوطنيين خذلوا فلسطين الثقافة والإبداع فانتبذوا – عن سبق إصرار وترصد – المثقفين في براح الركون والصمت المريب !! لقد صدقت يا أبا الطيب عندما قلت في خطبة الوداع :

"أكون قد شهدت ولادة ضوء .. شهدت عليه .. فالمشاهدة شهادة .. والسفر هجاج" .

 اللّهم فاشهد .."

ليبدأ الاحتفال بكلمة اللجنة التحضيرية لأسبوع عبد اللطيف عقل للثقافة الفلسطينية والتي ألقاها الشاعر د. عبد الرحيم الشيخ ومنها :

"اليتامى وحدهم، كانوا، وما زالوا. واليتمُ على حاله .. واللؤمُ على حاله، واللئامُ على حالهم. لكن عبد اللطيف عقل عاشَ يتيماً، ومات يتيماً، ونبعثُ اليومَ ذكرَهُ ولا يزالُ يتمياً. فطوبى لأيتام الثقافة، وطوبى لثقافة اليتم إذ تجنّب أبناءها خطيئة القتل – الضروري- المغفرة لآبائهم إن توثّنوا. وُلدَ عبد اللطيف عقل يتيماً، ومات يتيماً، كما الثقافةُ التي لم تذكره قبل اليوم : يتيمةٌ هي أيضاً، لكنَّها لا تَبِرِّ بأيتامها . يتيمةُ الثقافةُ الفلسطينيةُ من أمها الأرض التي تكتبُ فيها الحكايةَ وعنها وعليها، ويتيمةُ من أبيها، بالدم : عمقها العربي، وآباؤها، بالتبنِّي، يطردون أيتامها عن موائدهم، ويسممون نبعَ الله المشاعَ لئلا يشربَ الأيتامُ منه !"

في حين ألقى الشاعر د. المتوكل طه كلمة الثقافة الفلسطينية التي جاء فيها :

لم يبرحه اليُتم ولا الحزن، ولم يشبع وما كان له أن يتمّم أناقته دون ماء زجاجي يلمع في عينه. أما في بيته وبين أسرته فكنتُ أسمع خرير دموعه وهي تهبط إلى رئتيه وهو يحضن الصغار. هل كان يعلم أنه كان سيذهب مبكراً إلى هذا الحدّ، فبكى رغم اختفاء الماء الذابح؟

يا عبد اللطيف ! يا أبي الذي لم أره، ولم أتعلق بقمبازه الصوف، ولم يقف لي أول الصفّ حين خرجتُ مع عروسي يوم زفافي. أين ذهبت أيها القاسي المذبوح، النائح الجائح، المعلّق من قلبه في الغياب ! لماذا أعدتَ سيرة أبيك، وتركت الزغب عُرضةً للانكسار واختلاج الضفيرة ؟ هل كنت تعلم أن فينا من الدمع ما يغرق الأرض، أم لنعرف مبكّرين لؤم الناس، فيقوى الحصن وتصحو الفرس، وتقطع البراري مضمخة بشهد أعرافها الرانخة ؟ هل كان ضروريا يا عبد اللطيف ؟

*

مرت ثلاث عشرة سنة على صعقة رحيلك، لكن آب ذلك العام لم يكن قائظاً مثلما هو اليوم، ولم يتبدّل التراب حول قبرك المهمل، غير أن النبتة التي تبزغ في الربيع تموت في الخريف، لتعود ثانية في ربيع القرى البعيد، ولم يطرأ تغيّر يذكر على أزقة "دير استيا" وبيوتاتها، غير أن المستوطنة المضيئة التي كانت تلعلع في الليل احتلت كل الجبال، ولم يعد بإمكاننا أن نشرب ذلك الشاي المخمّر، بـ"المرمية" أو "الزعتر عراق" ، لكن الوصول إلى قبرك أصبح مستحيلاً، لأن "الطريق الالتفافية" التي شقّها جنود الموت لاستكمال إقامة دولة " يهودا والسامرة" لا تسمح لنا أن نقطع المسافة بسهولة مبهمة ! فأصبحنا نتلعثم ونحن نقرأ الفاتحة غيباً على شاهديك النابزين مثل أسنان رضيع يتيم .

  أما صديق الراحل عبد اللطيف عقل د. سمير شحادة فقد قدّم شهادة شخصية عن د.عقل امتازت بالحميمية والتفاصيل الحارة والمشاعر الجيّاشة. وتوقف شحادة أمام محطات مهمة في تجربة عقل الشعرية والمسرحية .

أما كلمة النقد المسرحي فقد ألقاها الروائي الناقد وليد أبو بكر ، كما ألقى الروائي يحيى يخلف كلمة المجلس الأعلى للتربية والثقافة في منظمة التحرير والتي تطرق فيها لسيرة عبد اللطيف عقل ودوره الريادي في ثقافة الأرض المحتلة .. وجرأته واستثنائيته في الكتابة، وشموليته الشاهدة.

وقد تخلّل فقرات الحفل فقرة فنية قدّمتها فرقة الكمنجاتي في عزف مؤثر لأطفال وفتيات من المخيمات تعبّر عن إصرار شعبنا على حقّه في الحياة.

فيما ألقت أم الطيب كلمة مؤثرة استذكرت فيها الراحل الكبير ومما جاء فيها :

ثلاثة عشر عاماً وما تغير لون السماء ..

ثلاثة عشر عاماً وما تغيرت رائحة التراب ..

وبقي ما بينهما تائهاً كما كان قبل ثلاثة عشر عاماً

فما تزال الأحلام تداعب وجه كل طفل

والآمال تزرع قرب كل زيتونة شاهد

وما تزال فلسطين سبباً للحياة والموت

وما تزال حباً لا يعرف الرحمة .

ما يزال الشعراء يتغنون بضفائرها وعينيها وخصرها

ما يزال الشهداء يتسابقون لنبل شرف اللقاء

والأطفال ما زالوا يطاردون الجراد

ثلاثة عشر عاماً وما تغير شكل الاحتلال

فوجهه القاتم وفأسه الصدء ما يزالان يخيمان فوق سماءنا القدسية

والعرب ما زالوا ينظرون من الشرفات الذهبية،  يصفقون أن كبونا، ويعبسون أن استبسلنا وما زلنا لا نبالي ..

ثلاثة عشر عاماً ، وما يزال العرب يختبؤن في كهوف من نفط وذهب ..ثلاثة عشر عاماً وما زال الضمير العربي نائماً، واعتقادي أنه استشهد يوم مذبحة دير ياسين، زدنا حقداً وغضباً .. وزادونا جوعاً وفقراً، ثلاث عشر عاماً وفلسطين ما تزال فلسطين

ثلاثة عشر عاماً زادوا على مأساة الشعب الفلسطيني .. ثلاثة عشر عاماً وما تزال أم الشهيد تزغرد وتنتظر يوم الثأر وأنضمت إليها آلاف الأمهات

ثلاثة عشر عاماً وحقول الزيتون تتناقص والمستوطنات تتنامى .

فارقنا ياسر عرفات .. ومشى صدام أسيراً .. ونصرالله صدّع الصفوف الصهيونية .. وغزة .. لا تزال تنزف من رحمها شهداء.

وختاماً

تمنيت لو أزف لك خبر الانتصار والعودة ولكن .. لم توحّد الصفوف بعد، ولم تحرّم دماء شهدائنا بعد، وما زالت البلاد تطلب أهلها .

وقد أختتم الاحتفال بقصيدة للراحل عقل ألقاها الشاعر محمد عياد وهي بعنوان (الله بالخير يا صدّام) كان ألقاها الراحل عقل بين يدي الرئيس صدام حسين قبل غزو العراق وتدميره.