تراويد جافلة

إلى حسين البرغوثي حاضراً جداً

* مراد السوداني

(1)

للذكرى مذاق جرفٍ هارٍ .. وإيقاعٌ ندّاهٌ بغُصّة الأيام ورجمها المريب .. الذكرى إحاطة القلب بالحزن حتى يلوب خساراتٍ بعضها فوق بعض .. والذكرى ، وقد تَجفَّلَ من إرنانها المتذكِّرُ، ووهوهات الصائح على العمر : تمهّل بنا ، أعِنّا علينا .. واترك الأُخذة تواصل تمرين العصف الفادح.

 معضوضاً بالذكرى الجاثمة في مفتتح القول ورأس الصفحة، مجروحاً برُعاش الفقد والدرغلات الكظيمة في قصب الكلام النائح يتماً ومدارات غياب .. ذكرى .. هي الذكرى إذن .. وهذا وقتها المشهود .. إنها حضور حسين البرغوثي الباقي الطالع من ردم بلادنا يسعى ..

انهضي أيها التذكارات .. وأيتها الأيام الساجيات في جامعة بيرزيت، إذ تتفصّد اللحظة فجائعية ماكان غربة ونأياً مباغتاً وانفتاحاً على بوابات مأخوذة بالتجاوز .. تذكرُّ راجفٌ إذن، أهوالٌ مرّة في مطلع جيلنا الضائع، أهوالُ ناغرة في هجاج الروح، أو الروح في هجاجها وهجومها النقيض .. ويأتي حسين البرغوثي رائياً محيطاً .. يخلخل الراكد .. ويقلِّب حجارة العقول الساكنة .. فيشق يباسَ القلوب بيخضورٍ فعّال أنساغه راعفة بالتوتر الجسور .. وصُداحه الفاتك .. فليعد الجيل إلى مطلعه، وأعرف أن أشتاته، أعني الجيل ، دخلت في حفلة الثقافة التنكرّية .. أرواحها .. ليعد الجيل ، إن عاد، إلى أوّله وإن  احلولى لذاذات الناهبين وشباكهم الباذخة ..

 في قناعية تخصّه وحده .. دحرج المعلم "حجر الورد" وأسال مراياه على خشب الدرس .. في استثنائية العارف الذي منحنا الوقت النادر .. والمعرفة الأكيدة، وفتح عين القلب على دوزان الشعر فانجدلت الأوتاد والأسباب على محور التفاعيل والمجازات الركّاضة في ذهننا .. نحن مشاة الطرق الوعرة وطرّاق الجبال ..

 يدوزن الشاعر والمختلف حسين البرغوثي مطلع جيلنا .. محسَّداً كان .. لأنه آثر المعرفة على نقائضها .. وهجر الرتابة وجَلَبَة الأدعياء .. فحاربوه .. وأوغلوا فيه تجريحاً واستهدافاً ونكراناً. كلّما حاصروه انفتح واتسع .. وطوبى لمن يتسعون .. قال . كان يدرك أن شموليته تهدّد الكَتَبَة الكذبة .. وفرحهُ بالحياة أعمق من أن يدركوه .. وإحساسه بالأشياء أبعد من أن يتراءى لعين إبَرِهِمْ السوداء .. كان يدركُ ويدرك !!!

(2) 

أفتحُ باباً لذكراكَ

أدخل علِّي أراكَ

بعينين نرجستينِ وقلبٍ دفوقٍ عَفِيْ

فَمَنْ أشعلَ القولَ بعدك ..

ومن أتعبَ الدربَ مشياً سواكْ

ومَنْ يفتح الآنَ بابَ الغناءِ على آخره

لتؤوي العصافيرُ أفراحَها الساجياتْ

ومَنْ يبتدي جدلَ الشعرِ بالنثر إلاّكْ

يبدي .. يعيدُ ويتركُ الشعراءَ والنثراءَ

حيرى في تهارشهم على الكرسي ..

لو أنني يا صاحبي أسطيعُ .. أبدلتُ

الحكايةَ من بدايتها بعصفِ نبوءة العرّافْ

وأبدلتُ النصوصَ بصمتِ المِعْزَفِ الكوني ِّ ..

 قلبي .. وهو خزّاف المعاني الغُفْل ،.. قنّاص المجاز

وتخذت من صوتِ الحمارِ نشيد أنشادٍ لتجارِ السياسةِ

والثقافةِ والكلامْ .. لكنّها دلّت عليّ هداهدُ النوكى

عففتُ حتى ملّني صوتي وعافَ صداقتي

وصاح : قتلتني ..

يا إلهي : خانني صوتي الذي قد كان لي .. صار عَلَيّْ ..

 (3)

رَجْفُ التراويدِ محلولٌ من العقدِ               والروحُ ريحٌ على راحٍ بلاسندِ

والقلبُ رجمُ حصّاةٍ حتّها شرقٌ              بالوردِ والماءُ مزمومٌ لمبتردِ

أمشي وتمشي رام الله لزينتها                  ذكراك تمشي على حبلٍ من المسدِ

أشدّها فَتشدُّ الليل أجمعه                      إذ لا أرى أحداً يحنو على أحدِ

للنجمِ أرفُع أوقاتي مسامرةً                    لي منكَ ذكرى وقبضُ الريح قبضُ يدي

 

قلبي حمام انهدل                                عَ شرفتو نوّار

وشاهد قبر لو حكى                          قصّة عَ باب الدّار

وأشجار زرقا وندى                           والضو أزرق صار

ويمشي الكلام بهدا                            وقلبي على ولدي