عن مبدعي الأرض المحتلة

صبحي الشحروري نموذجاً

المتوكل طه

ثمة جيل أو كوكبة من المبدعين الذين ولدوا في فلسطين ، وتفتح وعيهم الاجتماعي والسياسي والفكري في بداية السبعينيات أو نهاياتها شكلوا ظاهرة مميزة لم يكلف أحدٌ نفسه بالبحث في نتاجها أو في نبش في تضاعيفها ، فقد تكونت - لسبب ما - رؤية نمطية أو تقييماً مسبقاً عن ذلك الجيل وعن إنتاجه ، أقل ما قيل فيه : إنه نتاج خطابي ومباشر ومنبري ومتشنج وغير فني ، وإنه متحامل ومنحاز وعاطفي وليس فيه جماليات تدرس أو أساليب تستساغ .

وهكذا شُطب المبدعون من الضفة والقطاع من قائمة المبدعين الفلسطينيين الذين أضافوا إلى الأدب الفلسطيني شيئاً ، وتم تجاوزهم تحت مسميات عديدة ، وبالتالي فقد حُرموا من النشر أو إعادة النشر ، وحرموا من الدراسة والنقد ، وحرموا من الأضواء ، ولم تقترب منهم روافع الأدب أو السياسة أو النجومية ، وهكذا كان عليهم أن يناموا في الظلام ، وأن يتطوروا بصمت وعناد ، وأن يبنوا أنفسهم بأنفسهم وإيمانهم بقضيتهم الجمالية والموضوعية .

كان على هؤلاء المبدعين أن يكتبوا وهم يعرفون أنهم غير منتشرين ، وأنهم وحيدون تماماً ، وأن تواصلهم مع غيرهم يكاد يكون مقطوعاً ، وأن إنتاجهم يجد طريقه في بعض الأحيان إلى المنابر بسبب الخصوصية الفلسطينية أو بسبب الخصوصية الجغرافية ، وكأن نتاجهم لا يتميز بغير ذلك ، أو أن هذا النتاج لا يحمل إلا بسبب ذلك .

إن ذلك الصمت والتجاهل دفع بالبعض من هؤلاء المبدعين إلى التواري أو الجفاف أو الموت أو الغياب ، سكوتاً أو هجرة أو كسراً للقلم وحرقاً للورق .

إن الاحتلال لا يجفف الإبداع ، ولا يدفع الناس إلى الموت ، بل على العكس من ذلك ، الاحتلال يدفع إلى التعلّق بالحياة ، ويدفع إلى إثبات الذات ، ويدفع إلى التحدي ، وربما كان هذا هو السر وراء الإبداع في الأرض المحتلة ـ أو أن هذا هو الإكسير السحري الذي كان يدفع المبدعين الفلسطينيين إلى التنظيم والاجتماع وتكوين الفرق المسرحية أو التشكيلية أو الأدبية ، وهذا الذي كان يدفعهم إلى تنظيم المهرجانات واللقاءات في المدن والقرى والمخيمات لقراءة القصص وإلقاء الأشعار .

التعلق بالحياة وإثبات الذات وروح التحدي هي التي كانت تكمن وراء ذلك الكم الكبير من النتاج الأدبي والفني في الضفة والقطاع ، كان ذلك أشبه ما يكون بكتابة و ضرورة خلق، بمعنى ضرورة الوجود وضرورة الكينونة وضرورة التعريف بالذات وضرورة خلق المسافة التي تجعلنا غير محتلين .

كتابة الضرورة هي كتابة التقشف والمكاشفة والصراحة والوضوح وربما الصراخ .

كتابة الضرورة هي كتابة الاختزال وعدم الفذلكة وعدم الترف .

كتابة الضرورة هي كتابة الجذور والاحتماء بالمرجعية العليا .

كتابة الضرورة هي الرد على الحصار والانقطاع والتغييب والتقتيل والإلغاء .

ولا يمكن لأحد أن يتجاوز لحظته الزمنية _ ونحن هنا لا نتكلم عن  عباقرة _ نحن نتكلم عن مبدعين راكموا نتاجاً فنياً في لحظة زمنية معينة ، ولهذا ، فإن سنوات السبعينيات والثمانينيات سنوات عجاف بكل معنى الكلمة ، سنوات كان فيها الاحتلال في أوج ذكائه ودهائه وألقه وقدرته على التعامل مع الجماهير ، وكان فيها الاحتلال احتلالاً مراوغاً قادراً على امتصاص الغضب وقادراً على تقديم الحلول الجزئية التي تبدو من الخارج حلولاً كافية أو مناسبة أو لنقل: إنها كانت تلقى قبولاً ولو سلبياً .

ولم يكن الاحتلال وحده هو الذي يلعب في الساحة ، كانت هناك قوى عربية وأخرى محلية قادرة على تجميل معادلات الاحتلال وجعلها أكثر من براقة . وربما يفسر هذا عدم انفجار الثورات الكبيرة في تلك السنوات وربما كان ذلك يفسر عدم نجاح ما يسمى في حينه " الحرب الشعبية " ، واستطاع الاحتلال لذلك أن يحاصر كل شيء ، وأول ما حاصر المناضل الثوري، مروراً بحصار الاقتصاد والثقافة وتطور المجتمع الفلسطيني نفسه .

إذن ، تحرك المبدع في تلك السنوات في ظل هامش ضيق من كل شيء ، الفقر المعرفي ، وغياب المنابر  الصحافية أو الحزبية العلنية ، وغياب المؤسسات التعليمية ، وغياب المجتمع الذي يشجع المبدع عن طريق الجائزة أو التفرغ أو النجومية ، وغياب الظرف الدافع المحرض على الاستمرار ، فالكتابة في نهاية الأمر مثلها مثل كل عمل تحتاج إلى تغذية راجعة .

 كان المبدع في تلك السنوات يمارس إبداعه حتى لا يصاب بالجنون  فقط ، فالمجتمع حوله لا يكاد ينتبه إليه ، وخاصة إذا علمنا أن سنوات السبعينيات والثمانينيات تميزت بتدمير الاقتصاد الفلسطيني وانحسار المساحات الخضراء وتدمير الزراعة وتحول اكثر من (85) في المائة من الشعب الفلسطيني إلى عمال في مصانع " إسرائيل" ومزارعها ، وهذا يعني انخفاض الاهتمام بالثقافة بجميع أشكالها ، وانخفاض مستوى الاهتمامات الفنية والفكرية .

الفن والاهتمام به تعبير عن رغبة اجتماعية أيضاً ، الفن في نهاية الأمر سلوك اجتماعي ناتج أو مؤسس على قيمة اجتماعية ، والمجتمع العمالي الذي أجبر على أن يتشوه بهذا الشكل سيكون أقل اهتماماً بنتاج نخبوي مثل الأدب .

ولهذا كان على المبدع أن يكون مباشراً واضحاً لا يستطيع أن يتجمل ولا يستطيع أن يتأنق ، كان عليه أن يتقدم إلى جماهيره بلغة سهلة واضحة يضع فيها كل استخلاصاته وكل هواجسه وكل آماله .

هذا من جهةٍ ، ومن جهة أُخرى ، كان الاحتلال بالمرصاد ، حصاراً للمثقف وحصاراً للكتاب وحصاراً للنشاط الثقافي وحصاراً للمؤسسة الثقافية ، وكان الاحتلال برقابته العسكرية والمخابراتية صاحياً ويقظاً لكل ما من شأنه أن ينير أو يحرض أو يكشف سوءته القبيحة .

في مثل تلك الأجواء القاحلة الجديبة ، ظهرت كوكبة من الكتاب والشعراء والفنانين الذين حاولوا أن يقولوا في وقت لا يكاد فيه للقول ، ولا يكاد فيه للثقافة ، ولا يكاد فيه للجدل والنقاش والحوار ، ولا يكاد فيه لاصطراع  المذاهب والتيارات النقدية والجمالية والأسلوبية أي مكان .

كانت السياسة بمعناها النضالي والفصائلي هي الطاغية إن سراً وإن علناً ، وكانت المنافسات المالية والعشائرية هي الطاغية المسيطرة ، ومن المفارقة العجيبة أن تكون سنوات السبعينيات والثمانينيات هي السنوات الأكثر نموا وتطوراً ودخلاً مرتفعاً للمواطن الفلسطيني ضمن سياسة احتلالية تقوم على تحسين الحياة الاقتصادية مقابل الابتعاد عن الاهتمام بالسياسة بشكليها الثقافي والسياسي .

تلك الكوكبة من المبدعين واجهت ذلك كله بنتاج أدبي تراوح بين الغضب والأمل ، وبين خيبة الأمل والنضال الأبدي ، وكان عليها أن تواجه اليومي المعيش على حرقته وأن تتأمل الاستراتيجي على بعده ، وكان عليها أن توازن ما بين اللحظة المعيشة والمستقبل الغائب . ولهذا تراوح النص ، أيضاً ، ما بين الصراحة الموجعة والمواربة الغامضة ، وما بين آهة الألم وحشرجة اليائس .

المراوحة ما بين الاجتماعي والسياسي في أدب تلك السنوات كان يتم بمعزل عمّا يجري في الساحات العربية أو في مدن الثقافة العربية ، حيث كان اليسار مسيطراً من جهة واليمين الذي يدعي الإسلام أو المحافظة مسيطراً من جهة أُخرى ، أما في الأرض المحتلة ، فقد كان الحوار يجري في واد آخر ، وله أولويات أُخرى تماماً ، حتى الكتاب اليساريون كان عليهم أن يستعملوا لغة مختلفة أو أن يضعوا لأنفسهم أولويات أُخرى حتى ولو كانت تلك على غير ما يحبّون .

كانت مواجهة المجتمع في تلك السنوات صعبة جداً _ وربما لنفسها أن تنكشف أو أن تنفضح _ ولهذا غابت الأعمال الأدبية التي توجه إصبع الاتهام إلى المجتمع ، ومال المبدع إلى تقديس جماعته أو مجتمعه ، لأسباب نضالية أو لأسباب اجتماعية . وهكذا غاب العامل الاجتماعي أو تفاصيل الحياة اليومية من النص الأدبي ، وصار الهجوم على الاحتلال موحداً وجامعاً وملخصاً لكل الخلافات أو التناقضات . وفي هذا الشأن يمكن أن يقال الكثير ، إذ إن المبدع – ولاقتناع ذاتي أكيد – يعتقد أن المحتل سبب كل المشاكل ، التخلف والعشائرية والعمالة والخيانة والتعبية . يضاف إلى ذلك أن الهجوم على المحتل لا يكلف كما تكلف مواجهة الجماعة ، فالسجن أرحم من النبذ ، والاعتقال أرحم من الرفض .

ولكن الكتابة ضد الاحتلال كانت ضرورة أيضاً ، ففي زمن الحروب والاحتلالات ، تكتسب الجماعة ميزات مقدسة ، ويسبغ عليها ما فيها وما ليس فيها ، ويتم استنهاض الروح  الجماعية والإرث المقدس  للجماعة حتى تكون على مستوى التحدي ، وتعود العيوب والنواقص فيها إلى نتائج الاحتلال وليس بسبب فطرة أصلية .

ومن هنا ، كانت الكتابة ضد الاحتلال أكثر قدسية وأكثر طهارة وأكثر قبولاً وأكثر شرعية من الكتابة عن المجتمع . إن الكاتب الذي ينتقد مجتمعه يتحول إلى " نمام" و" فضاح" لأسرار جماعته زمن الاحتلال . ولكن غياب الاجتماعي في النص وحضور السياسي يجعله أكثر وضوحاً وصراحة ومكاشفة . إن الكتابة عن الاجتماعي سيضطر المبدع إلى أن يكون مترددأً، غير واثق ، يوازن بين وجهات النظر ، أكثر عمقاً وأكثر شمولية وإحاطة وأكثر حساسية ، ولكن هذا لم يوجد في الأدب الفلسطيني في الأرض المحتلة لفترة طويلة .

كان كتاب وشعراء السبعينيات والثمانينيات يعيشون عصر الاحتلال الذي بدأ وكأنه لا احتلال ، وكان على النص الأدبي أن يصارح الناس بأهوال ورعب المحتل الناعم الذي يقدم رواتب عالية ويقضم الأرض بوتيرة عالية ، أيضاً .

كان كتاب السبعينيات والثمانينيات مضطرين إلى الشعارات القريبة والرموز الحية والصور التي تحمل شحنة عاطفية عالية .

كان كلامهم يشبه حياتهم، وكانت نصوصهم تشبه مدنهم وقراهم التي تتحول إلى " بركسات" عمال، وحقولهم التي تتحول إلى حقول أشواك ، وبيوتهم التي تهدم وتبنى على شكل مربعات دون جماليات ودون تفاصيل ، وأيامهم التي تخلو من المسارح والنشاطات الثقافية والفضاء الكافي . كانت نصوصهم فقيرة من المغامرة ، ودون مكافآت ودون تشجيع ، ودون نقد أو تشريح ، كانت تلك النصوص تكتب أشبه بالمنشور السري الذي يريد أن يقول كل شيء بسرعة وبوضوح وبكثير من الصدقية العالية الحارة .

تلك كانت نصوص أولئك الكوكبة من المبدعين الأوائل الذين راكموا تلك النصوص التي قيل فيها إنها خطابية ومتشنجة وتخلو من الجماليات .هل نبرر لهم ؟ لا ، إنّما نحن نقوم بمحاولة أولية لفهم ذلك الأدب شطب من خارطة الإبداع الفلسطيني بهدف أو دون هدف ، بقصد أو بدون قصد ، ولكن هل هذه هي الصورة كاملة !!

أعتقد أننا نظلم هؤلاء  بهذا الغرض ، فهؤلاء المبدعون لم يكونوا على درجة واحدة من العطاء ومن المستوى ، فعلى الرغم من الإهمال الطويل وحتى النسيان الكامل ، فقد أصر هؤلاء على التواجد والحياة والاستمرار ، وأصروا على أن يكتبوا بمداد الحبر ومداد الدم والعرق . إن معظم هؤلاء دخل السجن الإسرائيلي ما يدل على أن كتابتهم كانت جزءاً من حياتهم اليومية وسلوكهم المعتاد ما يعطي تلك النصوص ميزة لا تكاد تكون موجودة عند غيرهم من الكتاب والشعراء العرب ، فقصائدهم " المسطحة " ورواياتهم " الضعيفة " كانت تصور جزءاً من نشاطاتهم العلنية أو السرية . إن إصرار هؤلاء على التواجد والاستمرار ، دفع بمنظمة التحرير الفلسطينية إلى أن تتنبه إلى المضامين الثورية والكفاحية للتنظيمات الاجتماعية والنخب الفكرية ، وفي خطوة متأخرة جداً ، تم تشكيل اتحاد الكتاب والأدباء ، وتم دعم بعض المجلات والصحف لتنطق باسم هؤلاء، وكان أن ولد اتحاد الكتاب الفلسطينيين  بعد مخاض عسير ومناقشات كثيرة وخلافات فصائلية ضيقة ، وكان أن ولدت مجلة " الفجر الأدبي" التي رأس تحريرها الشاعر علي الخليلي ، حيث احتضنت الأصوات والتجارب والرؤى ، وحيث أصبح من الممكن التأريخ والتوثيق لذلك النتاج الذي يوصف عادة بالتسطيح وهي تهمة صار تعني أكثر مما توحي به الكلمة جماليا أو تذوقياً . فهذا التسطيح كان حفاظاً على الروح المقاتلة وهذا التسطيح كان ضرورياً لتأكيد الهوية وهذا التسطيح كان مؤلماً للاحتلال ، أيضاً .

ولأننا لا نوافق على هذا التعبير ونعتبر أنه مقصود لشطب مرحلة من مراحل الإبداع في هذه الأرض ، فإننا نقول : إن النصوص التي ظهرت في تلك السنوات إنّما كانت نصوصاً مكتملة الشروط في زمانها ومكانها ، وكانت ضرورة نضالية وجمالية وحياتية في آن معاً.

إن احتواء ( م. ت.ف) لهذه الأصوات وتخصيص مكان لها على الخارطة السياسية والنقابية والاجتماعية كانت ، أيضاً ، ضرورة سياسية فرضتها ظروف ( م.ت.ف) في الخارج والداخل معاً، وقد قام المبدعون الفلسطينيون في الضفة والقطاع بما هو مطلوب منهم تماماً ، فقد حموا الشرعية ودافعوا عنها أمام كل محاولات التشظية والانشقاق والاختلاف ، في موقف يكاد يكون فريداً ومميزاً في تلك الأيام مقارنة بما فعل الآخرون