حسين البرغوثي "الضرورة"..*

 د. عبد الكريم أبو خشان

 لم تتسع الجامعة ، على اتساع المكان ، لأفراس الكلمات ، ولم تصل القامات إلى صهيل المعرفة، فقررتَ الرحيل .. رحلتَ حين ضاق المكان عن احتواء العبارة، فاجتازت العتمة أعتاب البيان .. وكظمت الساعات غيظها ، وغادرت سنونوةً عُشاً طازجاً .

كنت محقّاً رغم اعتراضات قلبك .. وكنت انفلاتاً عاصفاً من أنياب التطبيع المدرسي .. وتدجين البيان، ونزع الأشواك قبيل الوصول إلى إشراقات الصدفة .

        طاوعتَ قلبك وارتحلتَ الى الأصيل

        ورماك دوريٌ على تعبِ الحقول

        ومشيتَ وحدكَ

        فالخليلُ من استجاب لهمس قلبك

        .. ومشيت وَحْدَكَ

        وركلتَ هذا العالمَ المسكونَ بالوجع القديم

        أفرغتَ مجلسهم من الكلمات والفوضى ..

        ويممتَ الرحيل

        ماذا عساك تقولُ للذكرى .. إذا حلَّ المساء

        وكيف تُرسلُ خافقيكَ الى فضاءٍ من قصب

        كان الرفاقُ يثرثرون

        وأنتَ تشتمُّ لحظةً جمعتكَ بالكتب الهجينة

        خلّوا الطريق لسالكيه

        خلّوا الكلام عن الثقافة حين يحتدمُ الغضب

        ودعوا أغانيكم على الصفصاف تطفح باللّهب

 

كان انقلاباً قصدياً في المفاهيم، كما كان أحجيةً عندما يفتح مرجل الكلام .. لا شيء يثنيه عن المناكفة والاختلاف ، وحين لا ينتهي الجدال عند نقطة على سطر يفتح للحرب باباً ، ولا يكفّ عن الانفلات .

كان ذلك ذات خريف أزرق في بيرزيت عام ثمان وسبعين بعد المائة التاسعة عشرة .. لم يكن لقاءً وديّاً تماماً ، ولكنه كان في سياق محاضرة عادية ، لم تغب عنها كياسة الطالب، وحلم المدرّس، غير أنني أدركت في اللحظة ذاتها أن جسراً آخذاً في الامتداد بين المنهج والارتجال .. فما لَبِثَتْ أن جمعتنا أكواب طافحة من القهوة السوداء ودخان السجائر وفوضى الاحتلال ..

كانت اللحية الشقراء النامية على العارضين على طرفي النقيض مع الحلاقين، وفوضى الشعر المتروك لأنواء العواصف يشي بانسكاب الشِعر على حبر اليدين ..

أينَ أنتَ من الغَزَلِ الشرقيّ، وظمأِ القوافي ، وسجال العاشقين .. رويدك .. فهل تفضحُ الموائدُ المختنقة بحمّى اللفافات وتهاليلُ الرعاة، وانفلات النصّ الأدونيسي من خطط المدرسين .. وأين من ذلك "حريتي فوضاي .. أني اعترف" تلك الصرخة الدرويشية التي تحولت الى قبس من حكمة .. وذاك الذي يفتح أوروبا بسلاحه الإفريقي عند الطيب الصالح .. وانخذال الثورة في "متشائل" حبيبي .. كانت اللقاءات المسائية في مقصف الجامعة تتيح للمحظور أن ينحبس في تجليات الحوار" .. وإشراقات العشيّة .. ثم تؤوب بعد الرعاة ، لتضجّ في رأسك الأسئلة .. فتبحث عن الفراغ فلا تجد أفضل من شاي "سعدى" في منتصف الطريق الى البيت في شارع عطارة .

حين عدنا إلى الوطن بعد تغريبة لذيذة مضنية .. كان اللقاء في مساحات الانتفاضة قريباً من نشوة القصيدة .. وكُنّا نتوق كفتح صناديق الحكمة والجنون .. كان الفتى مليئاً بالمواويل الجارحة . وكنت أرقب في عينيه شيئاً من حكمة الشيخ ..

دسَّ على حين شوق – نسخة مخطوطة من مراياه السائلة" بين يديّ واستمرأت الانتظار لعلّ الزمن يجود ببرهة من خلاص .. ولكن ضيف الاحتلال الثقيل ظل جاثماً .. وازدادت الأوراق انهماراً .. وتراكمت حبّات الغبار على جدران القلب .. وتبقى الحكاية بلا انتهاء ..

 

 


 

* ألقيت في ختام أسبوع حسين البرغوثي للثقافة الفلسطينية في مؤسسة عبد المحسن القطان في ندوة (حسين محكياً) .