(بيت الشعر) في فلسطين

يحيي الذكرى الثالثة لرحيل الروائي عزت الغزاوي

 

رام الله : قام (بيت الشعر) الفلسطيني في رام الله ، أول من أمس ، بإحياء الذكرى الثالثة لرحيل الروائي عزت الغزاوي رئيس اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين سابقاً، ووكيل وزارة الثقافة الفلسطينية سابقاً .. وقد حضر اللقاء عدد من المبدعين والمنشغلين بالهم الثقافي بالإضافة لأصدقاء وزملاء وأحبة عزت الغزاوي ..

وقد افتتح اللقاء الشاعر مراد السوداني ، رئيس (بيت الشعر) بقوله : "السيدات والسادة : أهلاً بكم في هذا المساء الدامي والكاوي .. حيث يتردّد الرصاص الغليظ على جسد بلادنا الشاهدة والشهيدة والمذبوحة من البحر إلى النهر .. أهلاً بكم في بيتكم (بيت الشعر) الذي يتسّع بكم . وطوبى لمن يتسعون . نحن اليوم في ذكرى الحاضر عزت الغزاوي والتي تتزامن مع ذكريات تراجيدية فجعت القلب وجعلته دامعاً نازفاً .. في مثل هذا اليوم نحتفل بذكرى فلوجة جنين، حيث شكّل دم شهداء المقاومة والبطولة منصّة لعناد الفلسطيني وإصراره على الحياة الكريمة الحرّة .. ولمّا يزل المخيم على حاله أخضر الروح بفهق بقوة الحق والحقيقة .. كما تصادف أيها الأعزاء في هذه الأيام ذكرى سقوط بغداد الرشيد .. حيث نخلّت القنابل الخارقة الحارقة بلاد الرافدين وأوغلت في جسد الصغار والأشجار والشيوخ والنساء والبيوت حرقاً وتدميراً وقتلاً ناقعاً .. بغداد سيدة العرب الأولى وتاج العروبة المعلَّى .. كما تتزامن ذكرى العزيز أبي جاد مع سقوط ثلاثة من شهداء فلسطين الكبار .. الشهيدان المبدعان كمال ناصر وكمال عدوان، وثالثهم أبو يوسف النجار .. فالشهداء أنفسهم .. وأداة الموت والاغتيال نفسها .. ومازال أخطبوط القتل على حاله ..

كما أننا اليوم وأمام الانفتاح على كل هذه التراجيديا اللافحة .. نعيش ذكرى مولد سيد المرسلين، سيدنا محمد (ص) سيد الأوجه الطالعة .. سيد الخلق .. لنستمدّ من هذه الذكرى الأمل لمقاومة الألم .. والقدرة على مواجهة النقيض الذي يعصف بكل شيء ..

بعد ذلك أعطيت الكلمة للشاعر المتوكل طه رئيس الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين الذي قال : "إنه نيسان الذي أكره .. فيه سقطت بغداد ورحلت أمي ، واغتيل مخيم جنين .. نيسان الشهداء الثلاثة والمجزرة التي دوّت أرجاء البلاد .. وفي نيسان رحل أخي الحبيب عزت الغزاوي .. الروائي والمبدع والإنسان .. واسمحوا لي بهذه المناسبة أن ألتفت لغير قضية في مشهدنا الثقافي تستدعي الإشارة : فإن انزياح البعض نحو التطبيع المجاني لهو فعل مرفوض تماماً ونستنكره وندينه ، مستغربين ما قام به مؤخراً أحد عشر فناناً فلسطينياً من إقامة معرضهم في بيت القنصل الثقافي والإعلامي الأمريكي في القدس.

كما أشار إلى قصور المؤسسة الرسمية في تكريم رموز الإبداع الفلسطيني ومن لهم إسهاماتهم ودورهم في توسيع آفاق الإبداع وتأصيل المنجز الثقافي الفلسطيني .. داعياً الالتفات إلى ضرورة تكريم المبدعين في حياتهم ، لأن المبدع إذا لم يكرّم في حياته فمتى سيكرم ! وبحميمية خاصة تحدث الشاعر المتوكل طه عن رفيق دربه عزت الغزاوي ..

ثم قدم  د. رضوان أبو عياش ، وكيل وزارة الثقافة كلمة تعرض فيها لسيرة الراحل عزت الغزاوي ودوره، وريادته  في المشهد الثقافي الفلسطيني . وما قاله أبو عياش :

وعند الحديث عن الغزاوي، أبي جاد ندخل في شعب وتشعب فإن شئتم ذكرنا فضائله وشمائله التي يندر أن يحصرها إنسان وإن عايشه، أو تنحصر في إنسان كالمرحوم عزت .. وإن شئتم تناولنا علمه واجتهاده وكده وسهره ونشر معرفته بين أبنائه من التلاميذ والطلاب، فما زال أثره في عقول من تتلمذ على يديه ونهل من معرفته الكثير .. وإن أردتم تناولنا أدبه وفكره وإنتاجه الإبداعي الرائع لكن ذلك سيحتاج منا وقفة تأمل بحثية ونقدية جادة حتى نتمكن من الغوص في مكنون ذلك الفارس الذي ترجل مبكراً .. وإن شئتم تحدثنا عن عزت الصابر المكافح الذي تحزم بالصبر وهزم الحزن وارتقى بناء الحياة ليستمر في صياغة أسرته ويقيم حياة لمجتمعه زاخرة بالمبادئ والمثل القويمة.

بعد ذلك ألقى الإعلامي يوسف القزاز كلمة باسم أصدقاء الشهيد التفت فيها لضرورة انصهار الإبداع الفلسطيني بين المنفى والوطن، موضحاً أن الهم الفلسطيني واحد والأسئلة واحدة والعدو واحد .. وبالتالي فإن هذه اللحظات الاستثنائية التراجيدية التي تمرّ بها القضية الوطنية تحتم على المبدع الفلسطيني الذي يسير على الحواف اجتراح الأمثل والأنقى لصياغة الحلم الفلسطيني .. كما تعرض القزاز لعلاقته الخاصة بعزت الغزاوي وحواراته معه .. عن تلك اللحظات قال القزاز : "خسرنا مبدعاً استثنائياً وإنساناً رائعاً قدم لقارئه ما يستحق الدراسة والالتفات .. إننا نفتقده".

كما ألقى الشاعر شهاب محمد قصيدة أهداها إلى روح عزت الغزاوي ليختتم اللقاء بكلمة دامعة ألقاها جاد عزت الغزاوي قال فيها :

على طبق من جمر جاؤوا بكلمات الخلود، كانت تصنع نارا لخبزاً اليوم، خبز من قمح حصدته الجدّة قبل أشهر، من سهل قريتنا المطلة على بحر بلون الزجاج، فيه نجوم الليل تسافر من موجة إلى موجة، ومن عمقه تخرج مياه حلوة ملونة بألوان قزح.

على طبق من جمر قالوا لها: بصدر مفتوح للدنيا تلقى رصاصة مسمومة.

 قفز القلب، وارتجف الجسد ، وصمتت الدنيا ولم يعد للعصافير أي صوت. لم يعد للخبز ذات الطعم.

 رحل الفتى بحذائه الممزق، وبشعره الأسود المبلل ، رحل وفي فمه حاجة لشربة ماء. نظرت إليه صاحبة المنديل الأسود وهو ممدد على عتبة الدار، غفوة حالمة ويدان مفتوحتان. بالقرب من الجسد المعطل جلست وعانقت الروح بالروح، وراحت تغني للحزن وللقلب المكلوم.

صاحبة المنديل الأسود، فقيرة الحال، يتلقفها الحزن من كل جانب، تصلي لربها وتكتفي بالبكاء

كما قدم الشاعر د. عبد الرحيم الشيخ مداخلة نقدية بعنوان : عزت الغزاوي : المنتبه الجماعي .. حاول فيها مقاربة خصوصية الغزاوي وتميّزه باعتباره منتبهاً فلسطينياً بامتياز .. كما قرأ الشيخ مقالتين قصيرتين لعزت الغزاوي من كتابه، "جنّة مضيئة" .. الذي صدر عن (بيت الشعر) الفلسطيني العام 2001.

وفي نهاية اللقاء قدم الشاعر مراد السوداني شهادة تقديرية باسم (بيت الشعر) والحضور تسلمها جاد الغزاوي ، لمناسبة الذكرى الثالثة لرحيل عزت الغزاوي والتفاتاً وتقديراً لجهوده في إثراء المشهد الإبداعي .