الفراغ الذي رأى التفاصيل

جديد الراحل حسين البرغوثي

 رام الله – صدر عن دار الزاهرة في (بيت الشعر الفلسطيني) بالتعاون مع دار البيرق كتاب (الفراغ الذي رأى التفاصيل) للشاعر والمفكّر الراحل حسين البرغوثي .. قام بتحرير وتقديم الكتاب الشاعر مراد السوداني .. وقد جاء الكتاب في (120) صفحة من القطع المتوسط وقد صمم الغلاف الفنان جمال الأفغاني .. وقد اشتمل الكتاب على خمسة نصوص عبّر من خلالها حسين البرغوثي عن علاقته بالمكان .. والنصوص تشكل إضافة حقيقية قدّمها حسين حول المكان باعتباره موضوعاً فلسطينياً .. من زاوية شخصية وخلال التجربة الإبداعية قدّم حسين مقاربته للمكان عندما يبدو كشبح أو قصيدة .. وتوزّع الكتاب بين : الفراغ الذي رأى التفاصيل، ذاكرة عادية في زمن غير عادي ، الأنا والمكان ، عن المكان المنقرض ، ووهم البداية وشبح المكان ...

هذا الكتاب يشكّل بؤرة ضوء يضيفها حسين البرغوثي للمشهد الثقافي والإبداعي وهي واحدة من عطاياه التي تستحق القراءة والدرس والمتابعة.

مقدمة الكتاب كتبها الشاعر مراد السوداني والتي حملت عنوان : "تمارين الهندسية العليا على محور المكان" جاء فيها :

(ح)

 "هذا هو الذهن : فنجانك الذهبي. من طبيعة الذهن أن يكون فارغاً ، ومن طبيعة الفراغ أن يكون قابلاً لأن تصبَّ فيه أي رأي أو نظرية أو مذهب أو معرفة أو شعور أو ذكريات. ميِّز بين الذهن ومحتواه، كما تميِّز بين الفنجان والشاي الذي في الفنجان ، يا رجل".

هذه الكلمات من حوارية "بري" وحسين البرغوثي في (الضوء الأزرق) .. وهي برأيي تشكِّل مفتاحاً من اللؤلؤ في تجربة حسين ، الذي كان ممتلئاً بمعرفة شمولية ، حدّ التجاوز والفيضان ... والمعلِّم كان يفرِّق بين معرفتين، معرفة تحمله، ومعرفة يحملها .. الأولى وردة تطهِّره ، والثانية شوك، عبء، جفاف وتجديف في الرمل والمتاهة .. فانحاز للتحوّل وابتعد عن الثابت والمنمَّط والبارد في الروح .. وهكذا سعى إلى إفراغ الذهن – بدأب نملة – من محتوياته : الآراء ، النظريات، المعرفة الجاهزة ، الشعور، الذكريات ، الأحلام ... إلخ، حتى يصل الذهن إلى جوهره (الفراغ)، وبذلك تتحقَّق "الرشاقة الذهنية" ، والقدرة على الرقص، الروحي.

وعبر حوارية الفراغ والامتلاء استطاع المعلِّم أن يقدّم حكمته المقطّرة ، ويأتي بالمختلف والاستثنائي ، ليكون "علامة فارقة"، مدركاً : أنَّ "كثرة المعلومات لا تؤدي إلى الفهم"، مثلما قال : "هيراقليطس"، كما أنَّه يدرك" أن لا رؤيا بدون معرفة التفاصيل" .. من هنا كان المعلِّم في "الفراغ الذي رأى التفاصيل" .. متجاوزاً لما وراء "السياج" بكلِّ مع على الحفافي من توتر وجنون ونوبات وجع وفيوضات حزن.

 (س)

عزيزتي القارئة ، عزيزي القارئ : لنتأمل ما قاله المعلِّم في الضوء الأزرق :

"وكل ذهن فقد قدرته على تصميم نفسه سيقوم غيره بتصميمه . سميت القدرة على إعادة تصميم النفس "الهندسة العليا"، وكتبت عن هذه الهندسة مطلع قصيدة (جاز شرقي) :

"بيدي رميتُ حبيبتي للمدّ فانحسرت مع الماضي يداي :

صارعت في الغابات أنواع نمور جرّحتني جروحاً، ولما بقيت وحدي

داست عليّ خطاي

ما كنت أرعى الإوز وماعزكم

في جبال لكم

ما كنت ناي

كنت (الفراغ) الذي في داخل الناي، من غيره لا تقدرون على الغنا

أينه ؟

أينكم ؟

إنّ هندستي أن أصمّم نفسي وصمتي غناي".

المقطع الأخير يشكِّل "حجر سنمار" في معمارية روح المعلِّم .. ودونها لن نتمكَّن من إدارة مفاتيح البحث في أقفال المعلِّم الذهبية والتي تغري بالمعرفة والتنقيب والحفر .. " الهندسة العليا" المجاهدة في "تصميم النفس" جعلته يشقى وينأى بنفسه عن "التفاهة"، و"الخيال الأدبي الفقير". ولطالما حذّرني : "إياك أن تسلِّم عقلك إلى أحد" .. وانتفعت بما سمعت.

(ي)

في إحدى حواراتي معه في بيته حول "حجر الورد" العام (1995) اقترحت عليه أن يجعل "الفراغ الذي رأى التفاصيل مقدمة له، لتمكين القارئ من الدخول السهل لعالم "حجر الورد" فالمعلِّم كان مهجوساً من ألاّ يفهم. وأن لا يصل كلامه ... ولكنَّه أوضح حينها عن رغبته في فصل النصين، وكان محقاً بذلك. لأعرف لاحقاً أنَّ "الفراغ الذي رأى التفاصيل" كان نواة مشعة انشقَّت عنها رائعة المعلِّم "الضوء الأزرق" .. وبحقّ فإنَّ "الفراغ الذي رأى التفاصيل" عتبة ضرورية وأكيدة لفهم "الضوء الأزرق"؛ خصوصاً أنَّ المعلِّم في "الفراغ الذي رأى التفاصيل" ... فكَّك الهامش باعتباره واحداً من أبطاله ، ومن مدمنيه ... الهامش بكافة تنويعاته وعقده وإشكالياته واغترابه الحادّ ، والخروج عن السياق والوقوع في اللاعادي ، ومساحات التشرّد والمنافي والليالي المالحة والكالحة في آن. هناك اصطدم المعلِّم بعوالم و"حالات فضائية" حسب تعبيره ، وجنون بالإمكان أن تراه وتلمسه وتحاوره ، أيضاً .. فانحاز المعلِّم للأمكنة ، بل تلبَّسته طاقات أمكنة واستحوذت عليه: مقهى "المخرج الأخير" ، "سينماتك الوهم العظيم". و"حانة القمر الأزرق". ويظهر ذلك في "الفراغ الذي رأى التفاصيل" و"الضوء الأزرق". والمعلِّم متأمِّل ومهووس أمكنة وعاشق فذٌّ لها وإن "بدت كمصيدة".

قال المعلِّم مرّة : "الأنا ، نفسها ، حتى في أكثر أشكال التخيّل جدّة وبعداً عن "الواقع" لا يمكن أن تظهر إلا كمكان ، كمساحة ولن ينجو من هذا القدر المكاني الفكر المجرَّد نفسه".

 (ن)

ولنتأمل في "الضوء الأزرق" : "من هي التي قالت لك : أنت إله فارغ تستمدُّ قوتك من البقية وتوحي بأنها تنبع منك؟".

في "الفراغ الذي رأى التفاصيل" .. المعلِّم نفسه "العراف الأعمى"، "تريزياس"، وهذا يتكرَّر في "حجر الورد" .. المعلِّم والذي أتى من بلاد الطاقة المرتفعة وفُجِعَ بما هو يومي وعادي وبسيط .. جاء وبين كفيّه نبوءة وبشارة بالإنسان .. الحرّ والحالم والطيب والآمن ، الإنسان الذي يغيّر ويحوّل .. في الطريق تهبُّ على الروح رياح مرَّة ويطارده "الهامش" مشكِّلاً ملامحه .. يتألَّم بعمق فيعلِّم بصدق ، يقول في "ليلى وتوبة" :

"طوبى لمن علّم القلب احتمال السكاكين ، ومن

طحنته التجربة

كالقمح حتى صار خبزاً ، وطوبى لمن

كاد يكتشف الورد في المزبلة".

في "الرؤيا" ، نقرأ :

"لست أحبُّ انخفاض البلاد

ولست أصلِّي لارتفاع السماء

فلكلِّ نبيٍّ طريق إلى جبل الآلهة".

ويتابع : "غنّوا خلال الطريق لهذا الطريق،

فليس يليق بخطوتنا

هذه إلاّ الغناءُ".

في "الضوء الأزرق" يفسِّر هذا الغناء : "عمق الغناء يأتي أحياناً ، من عمق الوجع ، كما يأتي الضحك الذهبي من كثرة المتاهات".

وإذا كانت "حكمة الله كامنة في المكان ، تأمله"، مثلما أوضح في "مرايا سائلة"، فإنَّ المعلِّم أوغل في المكان"، مؤكداً : "خطاي رسالتي" ، و"حكمتي في خطوتي" .. بتحوير عن أدونيس الذي قال : "خطواتي جذوري". باختصار المكان في تجربة حسين البرغوثي مركزي ، ولايمكن فهم تجربة المعلِّم دون الالتفات لجوهرانية "المكان" فيها ...

 (ب)

 فلا نستطيع أن نتخيَّل أي شيء دون "المكان"، وبإمكاننا أن نتخيّل المكان فارغاً ، ولكنه يبقى مكاناً ويفسح لنا مجالاً لننحت روحنا فيه .. جاء في "الرؤيا" : "فنحن الوعول التي حفرت في السماء مكاناً لتسكن في الازرقاق".

"الفراغ الذي رأى التفاصيل" انفتاح على توحُّش المكان وتغوُّل الروح ومعاشرة ضواحي الجنون والمتاهات حتى يصبح "فقدان الإدراك" لعبة لدى المعلِّم .. تسلية بدل أن تتحوّل إلى لعنة وجحيم . والعلاج "الضحك الذهبي".

ولأن هاجس معلِّمي "الخلق" .. وهذه ترنيمة مقدَّسة في تجربته ، فقد خسر الكثير ليغنى بما "يخلق" ويبدع في زمن "الرجل الأخير".. وكان يدرك تماماً أنه بحاجة "لخيالٍ واسعٍ في عالمٍ ضيِّق" .. هاجس أن يضيف للإنسانية ما يجعله خالداً. "لا أكتب الجميل، أكتب الذي لا ينسى"، قال.

في "الفراغ الذي رأى التفاصيل" شرد ذهنه : "لماذا لم أقم حتى الآن بفعل واحد من أجل تحرير العالم كلِّه ، داخلياً وخارجياً ، بفعل أضع فيه كلَّ قلبي . أنا من تجاري "الداخل" ومكتشفي الروح"، هذه غاية معلِّمي باختصار واضح.

 (ر)

 وكان مرعوباً من الفشل ، من ألا يُعْتَرَف به ، من أن يخذل ، ما جعله في حالة بحث دائم للقبض على لغة تطفح في غموض قمري ، في لحظة يوقظ فيها القوى النائمة ، الجنون ، وتحويل ما هو هش في الروح إلى نقاط قوة ، ما يحقِّق الصلابة الروحية ، وعلى الرغم من خطورة قوله : "لا توقظ القوى النائمة فيك، قبل أن تستيقظ أنت وانتفع بالذي تعرفه"، إلاّ أنه فعلها وأيقظ الجنون ليتشبث بالعقل .. دائماً يحاول تخطِّي اللغة لما وراءها .. "البحث عن لغة أُخرى" حلمه ورؤاه.

عندما كان يتنقل بين جنائن الزيتون مشمولاً بالظلال والقوى الشبحية والغموض اللافح، صار مقموراً غير مرّة ، في مثل هذه اللحظات عندما تتوتَّر الروح، وتتذبذب بين الجنون ونقيضه ، وفي حمأة "فقدان الإدراك"، كما قال في (الأنا والمكان) : "ويبدو وكأن الأشياء تتعرّى من أسمائها ويبزغ ما يسمّيه "لاوتسو" بـ"اللامسمّى"، إنَّه حضور شامل لشيء وراء اللغة ، إطلالة للوجود أكثر مما هي للموجود". هنا في المشي على الحافة تختلط "الظلال" بِـ"الخطا".

الفكرة إيّاها تظهر في "الفراغ الذي رأى التفاصيل": "لا بُدَّ من خطا إله لا وقت عنده للكتابة لأنه يرقص من زخم التجربة وأحرفه جسده، وهبّت عليه رياح "اللامسمّى".

والمعلِّم غنيٌ بما استلهمه من إرث "لاوتسو"، كما يظهر في "مرايا سائلة".

 (غ)

 لقد حدَّق المعلِّم في جوَّانيته ، ليصل "اللّب" وملامسة زنبقة النار الطرية .. في محض التحديق هذا تنكشف الأشياء ويطفو الماء الحُلُميّ، شفّافاً، حارّاً ولاذعاً، وتزول الشعرة التي تفصل العمق عن السطح .. ويظهر كلاهما مثلما يتبدَّى للناظر في صفحة ماء رائقة .. تنظر للسطح فتنفذ للعمق أو العكس .

 (و)

دائماً سعى المعلِّم إلى أن تتدحرج الأفكار من نصِّ إلى آخر ككرة الثلج، فالفكرة التي لم تنضج في رواية يكملها الشعر، وما نقص في الشعر يكمله المسرح .. وهكذا .. عن المكان والمكان المنقرض محمولاً على التجربة الشخصية محور هذه المدوّنة التي تستحق الالتفات والانتباه معاً ، أن تجمع هذه النتف اللامعة يعني العثور على سبيكة من ذهب اللغة .. العنصر الأنقى والذي يبقى خالداً مهما أُهيل عليه من تراب الأدعياء الصغار .. وتجار السوق والسوقيين والمتسلِّقين ..

 (ث)

 عزيزتي القارئة / عزيزي القارئ : ما سبق خارج السياق، .. نتف وتعليقات على مدّونة حسين البرغوثي الإبداعية .. نقاط حول التجربة وعنها ، ليس إلاّ هامش ربّما، وهجرانه واجب الوجود ..

 (ي)

 إِنه حسين البرغوثي ، الذي رأى. عرَّاف بلادنا "التي هجرتها الآلهة وصرنا ندعوها بوطننا" .. الرّائي الذي أبصر بِـ"القلب لا بالفلسفة " ... وطفح وباح وتنبأ فاتسع .. فطوبى لمن يتَّسعون ؟ وبعدك يا سيدي يا حسين اخضرّ الكلام وغنَّى الجبل ! اللَّهم فلتشهد ...