أزمنة وأمكنة كثيرة في تكريم محمود شقير

 علي الخليلي

 للقصّة القصيرة الفلسطينية أزمنة وأمكنة، ولهذه الأزمنة والأمكنة أسماء ورموز، وعلى رأس هذه الأسماء والرموز، يقف الآن محمود شقير. نذكر القصة القصيرة، فنذكره، ونتحدث عن تطوير القصّة القصيرة منذ ما بعد النصف الثاني من القرن الماضي، فنتحدّث عنه. من القدس ورام الله إلى عمان، وإلى مدن وعواصم عربية وأجنبية أخرى كثيرة على امتداد ما تملكه الجغرافيا من طاقة إبداعية، تتحول الأمكنة في قصص محمود شقير إلى نسيج كونيّ متوافق في عمقه على المكان الأول فلسطين، ومتماهٍ في هدفه الأعلى مع عالمية مركزها الأول الإنسان. ومن زمن إلى زمن، يتحرّك محمود شقير إلى نسيج كونيّ متوافق في عمقه على المكان الأول فلسطين، ومتماه في هدفه الأعلى مع عالمية مركزها الاول الإنسان، ومن زمن إلى زمن، يتحرّك محمود شقير في مشروعه القصصي الكبير والواسع، بحيوية تصنع زمن الكتابة، ليكون هو زمن الأزمنة في معنى القصّ المتجاوز لذاته إلينا جميعاً في اللغة المتعددة، وفي المخيلة المتجددة، وفي الواقع واستلهام بذور تغييره، على مدار أربعة عقود، ومدار كتب له تزداد في كل عام، وربما في كل بضعة أشهر (اللهم زد وبارك). لا يتوقف أبداً، إلاّ لمزيد من التحرّك، ومزيد من التأمل والاستغراق الواعي في مكابدة السرد الجميل.

من "خبّر الآخرين" في العام 1975، إلى "احتمالات طفيفة" في العام 2006، قصص وروايات للصغار وللكبار وللفتيان والفتيات، ومسرحيات، ومقاربات للسيرة الذاتية، وفي مسيرة هذا الفيض العبقري الدؤوب، وصال لا ينقطع مع إرادة التغيير والتجديد في كلّ قصة، وكل رواية ومسرحية ومقاربة.

يمتلك محمود شقير في هذه المكابدة الإرادية، فكراً نيّراً يتحوّل بين يديه إلى حكايات سائرة بين الناس، ينشأ عليها أطفالهم في تربية خلاّقة ومفرحة، تهفو لها نفوس الآباء أيضاً، بقدر ما ترتاح ملء معانيها نفوس الأبناء. أذكر على سبيل المثال، مجموعة "قالت لنا الشجرة", في القصّة التي تحمل هذا العنوان ذاته من بين ثماني قصص، يأخذنا محمود شقير، نحن وأطفالنا إلى شجرة خرّوب (إلى الفكر الوطني النيّر، وهل ثمة أكثر من الشجر تكريساً لتجلّيات هذا الفكر في فلسطين)، وتحكي لنا الشجرة ما يتجاوز الكلام إلى الفعل والممارسة، عن واجبنا في حماية الأرض والثمر وخيرات الوطن، في مواجهة العدو الغاصب لنا جميعاً. كيف؟ "قالت الشجرة: لا تشتروا البضائع الإسرائيلية. سألها الأولاد: لماذا؟ قالت الشجرة: من أثمان هذه البضائع التي تدفعونها أنتم، يصنع الإسرائيليون رصاصاً يقتل الفلسطينيين، وقذائف تدمّر بيوت الفلسطينيين، وجرّافات تقتلع أشجار الفلسطينيين. أصغى الأولاد والبنات لكلام الشجرة بانتباه. وبعد لحظات، قال أحمد: قتلوا أحد تلاميذ صفي برصاصهم. قال: يحيى: دمّروا بيت جيراننا بقذائفهم. قالت سوسن: اقتلعوا أشجار بستاننا بجرافاتهم. قالت الشجرة: اذهبوا الآن بالقطع الذهبية التي معكم إلى الحانوت الذي يبيع البضائع الفلسطينية".

قد يظنّ لأول وهلة أن الفكر قد يسيطر على القصّ، فتجفّ حيوية القصّة لمصلحة الفكر وهو ما يسيطر عليه محمود شقير تماماً، بقدرته الفنيّة وخبرته وحكمته في كل نتاجه لتكون الحيوية والمتعة والسعد، من نصيب القصّة والفكرة معاً. تنهار القصة إذا خلت من الفكرة وتتكلّس الفكرة إذا حسبت أنها وحدها القصة.

محمود شقير القاص المفكّر، والروائي المعلّم، والحريص في هذا كلّه، على أن يجعل من فنّه وأدبه رسالة وطنية وإنسانية وحضارية، متطورة ومتفاعلة مع أحاسيس ومشاعر الناس العاديين، يدرك بعمق أن هذا الحرص لا يجد ترجمته الحكائية الإبداعية المتواصلة، إلا بتكثيف الاقتراب من هؤلاء الناس، والدخول في مكنونات صدورهم وأخيلتهم وأحلامهم وكوابيسهم ومباهجهم ومتاعبهم في كل حال. ويدرك في الوقت نفسه، وبعمق أيضاً، أن هذا الجهد الساطع مقترن بالضرورة، بالكشف والمصارحة والحوار، وبالسعي على وجه الخصوص، الى توفير أسباب الفرح والخير والأمل.

قادت هذه الأسباب محمود شقير إلى البحث المضني عن قطرات الضوء في دهاليز العتمة التي تحاصرنا من كل جانب, وقد وجدها في ثنايا المفارقات التي تمكن من تفكيكها ثم إعادة تركيبها، وفق مقاصده، بمهارات قصصه ورواياته.

في مجموعة "صورة شاكيرا"، على سبيل المثال، ضمن مفارقة اللفظ "شقير/ شكير/ شكير"، ومفارقة الواقع المزري والطموح الجاد الى حدّ القسوة لتغييره، نقف عند جوهر هذه المقاصد، لنعرف أنه "السخرية". معرفة أعلى من مستوى الصدمة، طالما أننا في قلب العتمة. وماذا لدينا في هذا القلب المظلم الموحش، سوى أن نسخر، وأن نضحك، حتى لا نتحول في كابتنا الصامتة، المكفهّرة والوجفة في آن، إلى تماثيل من الملح المرّ، وتماثيل من العنف والكراهية؟ ليس أن تضحك فقط، بالمعنى الفردي. وإنما هو المعنى الجمعي الأهم، في أن نُضحك الناس.

وفي هذا الأهم، يقول لنا محمود شقير، على لسان عمر (قصّة المهرّج) في مجموعة (قالت لنا الشجر): "إن إضحاك الناس أمر في غاية الأهمية"، وهو متواصل فيه بما كان قاله على لسان سميرة (قصة ضحكة جديدة) أنه لا بدّ من احترام الضحك"، الذي لا يجوز التقليل من شأنه، أو الحطّ من قيمته".

ولكن محمود شقيرلا يتوقف عند حدّ في رحلة الأسباب والمقاصد. وهل يمكن لإرادة التغيير والتطوير والتجديد أن تتوقف ولو على رأس قمة؟ في مجموعته الأخيرة "احتمالات طفيفة" نحسّ بحركة القمة في هذه الرحلة، نحو قمّة أعلى وأبعد في حركة القصّة الفلسطينية، والقصّة العربية، ولعلّها القصّة العالمية، أيضاً. قصّة أم رواية من مائة وتسع عشرة قصّة قصيرة جداً؟ ذلك شان النقاد في الردّ، عبر الرحلة الطويلة التي هي ذاتها رحلة كثير من الأمكنة والأزمنة. وهو قبل هذا وبعده، شأن المؤلف نفسه في طرائقه ومعاييره التي يبني عليها، وعلى نباهتنا في متابعته، جرأته الفائقة على التحديث والتجريب. ثم التحديث والتجريب، إلى ما لا نهاية. وهل تعقل أصلاً، لقصص محمود شقير، نهاية مطاف، والقصّ كلّه في لغته وفكره، بدايات متجددة خاصة به، حين اللغة أوسع من وعاء للفكر، وحين الفكر أعمق من الرؤى.

وعلى وقع هذه البدايات التي لا تنتهي، نفرح مع كل قصّة ورواية ومقاربة يصدرها محمود شقير، لأننا نعرف أننا مع بداية جديدة له، هي بداية جديدة لنا أيضاً، في كلّ مرّة، من كل إصدار.