عبد اللطيف عقل : ثقافة اليتم أم يتم الثقافة ؟

البلادُ تطلُبُ أهلّها كُلَّما طال الغيابُ وقلَّما طال الغيابْ

والأفضلونَ، الشهداء، يمضونَ في الغياب بلا أهلٍ تاركين البلادَ على حالها ليزداد أيتامُها واحداً أو يقلّوا والأيتامُ يحترفون ذكرَ الرعدِ، والتأليفَ، والموتَ المبكِّرَ، والولاداتِ البطيئةِ للحقيقةْ.

 البلادُ تطلبً أهلَها، فيطلبُ أهلُها الذكرى وتطلبُهم، ويقول عقل :

"هزيم الرعد يعمق من وحدتي ويختصر أبعاد الحزن في مجرى الدموع. يرتبط الرعد ولا يزال باليتم ..يقول الرعدُ للطفل المؤلّف : أنت يتيم جداً أيها الصغير، جداً، كحبة زيتون ضعيفة. يتيم تماماً.. قالت لي أمي بعد ربع قرن من طفولتي : أبي مات في الشتاء، تذكرتْ ذلك لأن دموعها، ساعتئذ، ارتبطت بجثة أبي في مستشفى يافا حين سقط على الملاءة البيضاء، وصدر أبي الذي كف عن العمل، وعلى صدرِ ثوبها المبللِ بماء المطر لأنها، حين فقدَ قدرَتَهُ على التنفس، كانت تنتظر في عراء البحر. وقالت أمي، أيضاً، إنها تذكر بوضوح أنهم تركوها عند صاحب دكان الحبوب في حي العجمي بيافا، وذهبوا يبحثون عن أناس لا تذكرهم، تركوها وكأنها ليست زماناً وطقساً، ويعود إليه احتفالاً أسياناً. الشتاء يتدفق مطرهُ كالميازيب في أزقة روحي وقريتي. تسقط دموع أمي في قلبي، وفيما بعد، وحتى ما بعد الآن، صار كل بكاء لا يمكن أن يكون بكاءً إلا إذا تدفق من محاجر أُمّ. وحين أرى اليتامى أو أتذكرهم أسمعُ هزيمَ الرعد في رأسي وقلبي وأرسم صورة المخيمات، وكأن الرعد رسالةٌ سماويةُ أن اليتامى وحدَهم في توحُّدِهِم.."

 اليتامى وحدهم، كانوا، وما زالوا. واليتمُ على حاله .. واللؤمُ على حاله، واللئامُ على حالهم. لكن عبد اللطيف عقل عاشَ يتيماً، ومات يتيماً، ونبعثُ اليومَ ذكرَهُ ولا يزالُ يتمياً. فطوبى لأيتام الثقافة، وطوبى لثقافة اليتم إذ تجنّب أبناءها خطيئة القتل – الضروري- المغفرة لآبائهم إن توثّنوا. وُلدَ عبد اللطيف عقل يتيماً، ومات يتيماً، كما الثقافةُ التي لم تذكره قبل اليوم : يتيمةٌ هي أيضاً، لكنَّها لا تَبِرِّ بأيتامها . يتيمةُ الثقافةُ الفلسطينيةُ من أمها الأرض التي تكتبُ فيها الحكايةَ وعنها وعليها، ويتيمةُ من أبيها، بالدم : عمقها العربي، وآباؤها، بالتبنِّي، يطردون أيتامها عن موائدهم، ويسممون نبعَ الله المشاعَ لئلا يشربَ الأيتامُ منه !

نحزن لليتمُ، ونفرح باليتامى الذين يطردون مقولة اليتم عن أرواحهم بدلَ أن يطردهم اللئامُ عن فُتات الموائد. نحزن في الذكرى الثالثة عشرة لغياب عبد اللطيف عقل، ونفرح ونحن نطرد ذاكرة الرقم المشئوم بإحياء ذكراه كما ينبغي، للمرة الأولى. نحزن ونحن نقول : من لم يقصِّر في حق عبد اللطيف عقل فليرفع إصبعه، ونفرح ونحن نرى "بيتَ الشعر" يرفع إصبعه عالياً : أسبوع عبد اللطيف عقل للثقافة الفلسطينية (10-14 أيلول 2006 جنين- نابلس- بيرزيت – رام الله – غزة). نحزن لأننا لم نعرف الـ "عقل" حياً، ونفرح ونحن نرى الذين " يحرسون الكلام من الخلخلة" يعيدون طباعة النافذ من أعماله وينشرون المخطوط. نحزنُ ونحنُ نرى اللئامَ، في زمن الانكسارات واختلاق العدو من أبناء الجلدة والدم، يضمُّون ريعَ الثقافة والمنجزَّ الثقافي إلى خطوط إنتاجهم، ونفرحُ ونحن نكثِّرُ سواد الأيتام لتدشين هذا المنجّزِ كما ينبغي. لكننا : في الحزن والفرح، بين اغترابِ عبد اللطيف عقل، ووعينا الشقي، ووعي غيرنا المزدوَجْ ... نراكم طاقة الخيرِ الفلسطيني وننتصر.

 لا حدَّ لمديحِ المَلاء، وفضائل اليُتمْ

ولا حدَّ لشتيمة الخَواءِ وأبوَّة السَّفَاحِ

ولا حدَّ لشكر "بيت الشعر" على فضيلة الانتباهْ.

 عبد الرحيم الشيخ

كلمة اللجنة التحضيرية لأسبوع عبد اللطيف عقل للثقافة الفلسطينية

رام لله – الأحد 10 أيلول 2006