"الشعر كخيار بشري أولاً":

أو مفهمة الشعر عند حسين البرغوثي

 عبد الرحيم الشيخ

بيت المقدس للأدب-رام الله (30 أيار 2006)

 إن "ظاهرة" حسين البرغوثي عموماً،و"معجزته المشتهاة" التي بثَّها نصه الإبداعي في الساحة الثقافية الفلسطينية،تشكِّل تجلياً فريداً لثنائية العجز والإعجاز.وهنا،تحضرني سخرية رينيه وِلكْ،والشيء بالشيء يذكر،من الرغبة اللاتنقطع في العثور على الشاعر-الناقد،إذ يؤكد أنه يمكننا فقط أن نأمل بالوقوع بواحد منهم على شهوة من الشعر أو أخرى من النقد.لكن وِلكْ،كداعية للشيطان،يؤمن بأن توحُّد الشاعر والناقد في الشخص ذاته لا يتأتى إلا في حالات نادرة،حالات "القدِّسين الخالصين" الذين تحققت فيهم معجزة التقاء الشاعر بالناقد. إن مقولة رينيه وِلكْ لتجعل من حسين البرغوثي "حالة ناردة" أخرى من حالات التقاء الشاعر بالناقد في الشخص ذاته،في هذا الكائن الخرافي الذي في جٌبَّته تجتمع أطراف البيان.لن يجدي الخوض،هنا،في القول على استحسان هذا الزواج الفذ أو استهجانه بين الشاعر والناقد،غير أن قابلية الفرد لاحتياز الاستعدادين تؤهله بامتياز للإتيان بما قد يُعْجِز أو ما يتم تلقّيه على أنه مُعْجِز.وهنا،انتقل مباشرة للحديث عن عملية مَفْهَمَة الشعر عند حسين البرغوثي.

 فهو،ابتداءً،يصف الشعر بأنه فعل إنساني استعلائي لا تتم إدارته برغبة الذات في تمام وعيها وإرادتها.الشعر للبرغوثي يقارب الحلم،حيث لا يكتب الشاعر القصيدة بل،حرفياً،يحلمها.ولعلي لا أجانب الصواب إن قلت إن كتابة البرغوثي للشعر في دواوينه الشعرية الخمسة شديدة التأثر بالفلسفة النيتشوية والفنون الأوروبية،وبخاصة كل من بيكاسو Picasso وبول كلي Paul Klee.ذلك أن البرغوثي يؤكد أن "خلق القصيدة أو النص هو فعل سحري حيث أملك طقوسي الخاصة.لا ينبغي للضوء أن يكون ساطعاً أو خافتاً...النيون مدمرٌ للدماغ.عندما أكتب،الظل أو ضوء الشمعة أو ضوء القمر أو أي شيء لامع يجعل الأشياء أكثر إيحاءً وغموضاً ....هذه ضرورة.حبر أسود وورق جميل هي بعض أدوات طقسي،والليل هو كل ما أريد.الخلق هو نوع من التنويم المغناطيسي.أنا أعشق التحديق في النار."

 لقد حاول البرغوثي في تجربته الشعرية أن يكامل أنواع فنون أخرى مع اللغة،فدمج الفنون التشكيلية والنحت والموسيقى والمسرح والسينما في إطار مشروعه الشعري العام "الكولاج." لم يعد النص أو القصيدة محض "انعكاس في مرآة الذات،"بل صارت واحدة من تحولاتها،واحدةً من الإزاحات عن الأصل،واحدة من محاولات إعادة التشكيل للذات ككيان كلي.أما الشاعر فهو طفرةٌ أو مخلوق فريد أنتجه مزاج فريد ووحدة أكثر فرادة بين "المنطقي" و"الساحر."

 بكلمات أخرى،فإن الشعر بالنسبة للبرغوثي إنما هو المخيال بامتياز،المخيال الذي يجعل مهمة الشاعر عند محاولة كتابة القصيدة "أن يحلمَها" وأن يرى اللامرئي،ويُريه،ويرويه.عندما جاء بيكاسو بالتكعيبية عام 1906 كان يبتغي اكتشاف "الغرفة المتخيلة التي وراء مرسمه".مهمة الشاعر،بالنسبة للبرغوثي،هي اكتشاف الغرفة اللامرئية داخل اللغة بواسطة المخيال،مهمة الشاعر هي جعل اللامرئي مرئياً.وهذه الفكرة الإبداعية إنما هي صنو فكرة بول كلي عن الإبداع وظلّها الشعري،وهي:أن الفنان لا يرسم الأشياء المرئية،بل يعمل بأكثر من ذلك أن يجعل الأشياء مرئية.

 ديوان الرؤيا كان ديوان البرغوثي الذي صدر عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 1988.على مستوى الفكرة،أميلُ إلى الاعتقاد أن هذا الديوان إنما كان تكثيفاً شعرياً لآراء البرغوثي الفلسفية والأدبية التي وردت في كتابه النقدي المذكور آنفاً سقوط الجدار السابع.ولعل قارئ ديوان الرؤيا يلحظ بعض الجمود الفلسفي على أجواء الديوان عامة،ويتعرف حتى على بعض الأسئلة الفكرية والوجودية التي طرحها أنبياء كبار كان البرغوثي متأثراً بهم في تلك الحقبة،وبخاصة فريدرك نيتشه.أما على مستوى تكنيك الكتابة الشعرية،فقد حاول البرغوثي توظيف معرفته الخصبة بنظرية موسيقى الشعر العربي وعروضه لاختراع أوزان جديدة.وللإيجاز،يمكن القول،إن البرغوثي أراد لديوانه الأول أن يكون تجسيداً لتنظيراته النقدية ونبوءاته الفكرية،حاله في ذلك حال أدونيس في معظم مشروعه النقدي-الشعري.

 أثناء دراسته للدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية،شرع البرغوثي بكتابة قصائد في الحب والحنين متأثراً بقصة الهوى العربية الشهيرة بين ليلى الأخيلية وعاشقها،سيئ الحظ،الصعلوك:توبة بن الحميِّر.في ديوانه ليلى وتوبة:قصائد من المنفى إلى ليلى الأخيلية (الصادر عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 1994)،حاول البرغوثي الغوص في أعماق النفس الإنسانية ولحظات حزنها،وهواها،واغترابها عن الجماعة العضوية.إنه يعكس الأدوار السردية لليلى وتوبة من خلال كتابة قصائد على شكل رسائل إلى ليلاهُ المتخَيلَة من المنفى الذي يمعن تغريب الذات حدَّ وضعها،أعني الذات،على حافة الجنون.إضافة إلى الجهد الشعري في هذا الديوان،يزود البرغوثي القارئ بتقديم نثري يبحث في شعرية العشق في التراث الشعري العربي متخذاً من ليلى وتوبة أنموذجاً في الفرادة.

 وعلى الرغم من جودة هذا الديوان،إلا إن مجموعة البرغوثي الشعرية الثالثة حجر الورد (الصادرة عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 2002) تعتبر،في نظره شخصياً وفي نظر قُرَّائه،ذروة سنام تجربته الشعرية.تقول بترا:"قبل أيام من وفاته،سألت حسين:لو منحتَ عمراً إضافياً لتكتُبَ شيئاً ما،فماذا ستكتب؟أجاب:سأكتب الجزء الثاني لحجر الورد." أما البرغوثي نفسه،فإنه لا يخفي إعجابه بهذا العمل دون سائر أعماله الشعرية الأخرى رغم ما فيه من تعقيد بنيوي وإيقاعي:"أعتقد أن حجر الورد هو أكثر النصوص التي كتبتها صعوبة.هذا "الحجر" تم اكتشافه في مصر عام 1799.وبحل شفرات النقوش التي كانت عليه تم اكتشاف الهيروغليفية .لقد كان قصدي من الديوان أن أكتب نصاً حول هيروغليفيا الذات الإنسانية."

وفي واحدة من مقابلاته يذكر البرغوثي أن حجر الورد أصلاً كان من المفترض أن يكون مشروعاً مشتركاً مع صديقه الفنان التشكيلي إبراهيم المزين من غزة،الفنان الذي كان مفترضاً أن يقوم بتزويد رسومات موازية للكتابة الشعرية تقوم بأداء وظيفة النص البصري الذي يمكّن اللغةَ من التسامي أو الارتقاء إلى مستوى النص التشكيلي الخالص.وبذا،يغدو بالإمكان أن تُرى اللغة بأكثر مما تُقرأ....ويذهب البرغوثي إلى أبعد من ذلك بالقول،إنه كان يتمنى أن يجد موسيقاراً قادراً على تأليف نوتةٍ ما تصاحب النصين اللغوي والبصري بنص إيقاعي خالص من خارج اللغة.

في حجر الورد كان البرغوثي محكوماً برؤيا تشكيليةٍ منجزةٍ سلفاً في ذهنه تمت ترجمتها إلى نص شعري.كان يرغب بالتعامل مع اللغة بمهارة مصمم الأزياء الذي يتنقي أصناف القماش وألوانه ليصل إلى نتيجة ربما لا تكاد تكون محسوبة.يقول البرغوثي:"إنك تبحث عن نتيجة غيرَ مخططة وغيرَ محدوس بها.وهذا الأمر مهم جداً،لكن الأكثر أهمية هو أن تحسن قراء النتيجة التي انتهيت بها.يجب عليك النظر لكل وصلة وفصلة بين جملك الشعرية...في حجر الورد وددت للجمل أن تشعّ بإيحاءاتها الخاصة،ثم أسأل نفسي:كيف يمكن أن أربط بين هذه الإيحاءات؟كيف يمكن أن أعقد قرانها الفريد؟..لكن عليك الانتباه،أنت كقارئ تحمل المسؤولية وحدك لخلق هذه الروابط...خلق الجسور ليس مشكلتي أنا."

 عند كتابة حجرالورد،كان البرغوثي متأثراً بنصين أدبيين عربيين:واحد من العصور الوسيطة،والآخر نص ما بعد حداثي.أما الأول،فنص ألف ليلة وليلة الذي كان البرغوثي معجباً به لأنه لا يحيل إلا إلى ذاته،بمعنى أن مرجعيات النص تكمن داخل أرض النص وحده بأكثر من كونها تشع عليه من خارجه.لقد كان البرغوثي مأخوذاً بألف ليلة وليلة لأنه نص يملك سلطةَ احتيازِ قارئه،والسيطرةِ عليه دون أن يحيله تماماً إلى مرجعيات الواقع الخارجي.ألف ليلة وليلة علّمت البرغوثي أن يكتب نصاً قادراً على جعل القارئ مغترباً عن عادية الحياة اليومية وليس العكس حين ينتهي من القراءة.وبذا لا تغدو الحياة اليومية الواقعية مرجعيةً للمنطقي وغير المنطقي،للمعقول واللامعقول....الحياة هنا،لا تمثِّلُ إلا نصاً آخر،شبيهاً بالنص الذي كتبتَهُ أنت على الورق.

 أما العمل الأدبي الآخر الذي كان البرغوثي متأثراً به حين كتابة حجر الورد،فكان نص الجواشن للشاعر البحريني قاسم حداد.وهنا،يوضح البرغوثي أن اللغة في كل من نصه ونص الجواشن لم يُرَد لها أن تحمل رسالة ما أو أن تكون جسراً بين الذات والواقع.بل كانت بأكثر من ذلك وسيلة لتفكيكهما وتحويلهما معاً إلى نص تشكيلي سوريالي قادر على استحثاث القارئ-الناظر على استيلاد فكرة جديدة،إحساس مغاير،معنى ما لهذا النص-اللوحة.

 لقد كانت الرؤيا والأسلوب في حجر الورد عصيَّان على الفهم حتى لأكثر النقاد والشعراء نضجاً في المشهد الثقافي الفلسطيني.ولذا،حاول البرغوثي العمل على حل ما كان يسميه بـ "سوء الفهم" الذي أحدثه حجر الورد من خلال أمرين.أما الأول،فكان كتابةَ أعمال نثرية فيها من المباشرة ما يجعل من أفكاره أكثر قابلية للهضم والاستيعاء.وتشمل هذه الأعمال كتاباتِه السرديةِ الأتوبيوغرافية التي أنجزها قبل رحيله بفترة وجيزة.وأما الآخر،فكان نشر مجموعة من الكتابات النقدية التي أوضحت رؤياه لماهية كيف ينبغي للشعر أن يكون.

 واحدة من أهم هذه المقالات هي تلك التي عنونها البرغوثي بـ "البحث عن لغة أخرى"،والتي خصصها لبحث الصورة الشعرية.هنا،يرى البرغوثي أنه بعد أن يصك الشاعر الصورةَ الشعريةَ،فإنه لا حق له فيها،وإنها تصبح ملكاً جمعياً مشاعاً.بمعنى أن كل قارئ يمكن أن يدعي حقَّهُ في تملك تلك الصورة مجرد استبطانها ومنحها معنى خاصاً به،بغض النظر عما أراد الشاعر الأول للصورة أن تحمل من معنى.وهذا الرأي في هرمنيوطيقا الصورة الشعرية يذكر المرئ بمقولة اسبينوزا:بأن كلاً منا لديه كتاب توراته الخاص! هنا يريد البرغوثي للشاعر الأول وللقارئ أن يتحولا إلى عبدين يتعاونان في خلق الصورة الشعرية.وبذا،فإن الصورة الشعرية تخدم كدينامية تجسيرية تجعل من المؤلف والقارئ صنويين متساويين تماماً بعد أن كانا محضَ مرسلٍ ومستقبل.بطبيعة الحال،لا يمكن للمطلع على تنظيرات البرغوثي أن يتجاهل التأثر الجزئي بالأصداء الرومانسية لنظرية رولان بارث حول "موت المؤلف."لكن الهم الأساسي هنا،ليس هماً هرمنيوطيقياً تفسيراً للصورة الشعرية،بمقدار ما هو الإحساس بها،وتذوقها،وإعادة خلقها وإنتاجها في إطار العملية السرمدية التي أطلق عليها محمود درويش مرة وصف "الكتابة الجماعية للقصيدة."

 لعله من المفارقة القول،إن البرغوثي،وفي غمرة محاولته،لإزالة سوء الفهم مع قارئه،نشر مجموعة شعرية جديدة ساهمت في تعميق سوء الفهم لا في حلِّه.يقول البرغوثي:"في ليلة شتوية،كنت أسيرُ على رصيف مغطى بالثلج.كان الثلج ناعماً ومليئاً بالفجوات وهشاً نتيجة لقطرات المطر الخفيفة.كنت أسمع صوت الجليد المتكسر تحت قدميَّ.عندها حضرتني فكرة غريبة:لا بد من أن تكون ثمة لغةٌ أحسُّ بها،وأتذوقُها،وأسمعُها،مثل هذا الجليد المتكسر الذي يبدو كقطعة تطريز.هذه الفكرة كانت الشرارة  التي انقدحت لتضيئ مشروع مجموعة شعرية جديدة:توجد ألفاظ أوحش من هذه.يجب للغة الجليد المتكسر أن تُحَلَ شفرَتُها.لم يكن لتلك اللغة ذاكرة ولا معنى في داخلي."

 في توجد ألفاظ أوحش من هذه،حاول البرغوثي،حرفياً،أن يحلم القصيدة لا أن يكتبها...حتى إن البرغوثي يكشف في واحدة من مقالاته أنه حتى عنوان الديوان كان قد حَلُم به.

 في مقالة غير منشورة،ثم العثور عليها في أدراج درج مكتبة ببيت الشعر الفلسطيني،يبدي البرغوثي أسفه بل وندمه على أية قاعدة أو تقليد ساهم في إرسائهما في كتابته الشعرية.كما أنه يبدي إعجابه المطلق بأفكار الفليلسوف الفرنسي،ناقض فكرة الحداثة،وكاتب كتاب شرط مابعد الحداثة،جان فرانسوا ليوتارJean-François Lyotard (1927-1998)  حول ديناميات الكتابة.يفرِّقُ الأخير بين نوعين من الكتابة:الكتابة تبعاً لقواعد حداثية منجزة وجاهزة،والكتابة بحثاً عن أسس ما بعد حداثية من خلال الكتابة.وبناءً على هذا التفريق بين نوعين من الكتابة،يقول البرغوثي بوجود نوعين من العقل الإبداعي:واحد ثبوتي،ستاتيكي،يعيش بسلام مع المبادئ الراسية والقواعد المسلم بها في نظرية الأدب،ويبذل قصارى جهده للحفاظ عليها.وهذا العقل الإبداعي،في نظر البرغوثي،يؤدي إلى "اغتيال طاقة الروح." أما النوع الآخر،فهو العقل الإبداعي النبوي الذي يعتبر علَّةَ وجوده ومعلولهَا خلقُ الجديد والاتيان بالأفكار العذراء التي لم يسبق إليها أحد.محاولة الكتابة للإتيان بالجديد هي سمة عضوية للعقل النبوي.وهنا تتجلى مهمة الفلسفة بالنسبة للبرغوثي في مقدرتها على التمييز بين هذين النوعين من العقل،وطاقتهما الإبداعية وما ينتجان من إبداع.

 يستخدم البرغوثي هذا التنظير في شرح دوافعه لكتابة ديوانه الأخير مرايا سائلة الذي صدر عن دار أوغاريت عام 2003. في مرايا سائلة يتوسل البرغوثي أسلوب الكولاج الذي يمكنه من إنتاج نص شعري يبدو كفن تشكيلي،أو كتابة درامية،أو معمار،أو مسرح،أو غناء في الآن نفسه.إن تكنيك الكولاج مرتبط عند البرغوثي بمفهوم الذوق،إذ يعتقد البرغوثي أن الذوق يتكون في عملية لا نهائية من مجموعة من الطبقات المتحولة للمعرفة،والحساسية،والاحتراف التي يطورها الشاعر عبر كل كلمة يكتبها أو يقرأها.النقلة النوعية على الصعيد الفني في ديوان البرغوثي الأخير مرايا سائلة تكمن في كتابته ليس للقصيدة وحسب،بل وكتابة من يدور في ذهنه أثناء عملية الكتابة نفسها.بمعنى أنه إذا تذكر فلماً وثائقياً أثناء كتابة القصيدة،فإن أحداث الفلم الوثائقي تتم كتابتها جنباً إلى جنب مع أفكار القصيدة الأصلية التي كان العمل جارياً عليها حينما التقطت الذاكرة لمحة الفلم الوثائقي.وهنا،من الضروري التذكر بتأثر البرغوثي بلوحات بول كلي على وجه التحديد عند كتابته لهذا الديوان.

 أخيراً،أقول إن مَفهَمَة حسين البرغوثي للشعر كانت وجهاً آخر لمقلات بعدالحداثة في التفريق بين الفكري الصرف،والخيالي،أي بين عمليات الذهن المنتجة للفكر الوظيفي،وبين تلك المنتجة للخيال،أو المقتَرَح الجمالي الجديد للواقع،التسمية الجديدة للأشياء،عدم الرضى عن تسمية الخالق الأول،أو الثاني،أو الثلاثين...إنها العناية نفسها التي أولاها إدوارد بوند للتفريق بين المفهومين الذين من بين صلبهما والترائب ينبت الشعر.يقول إدوارد بوند:"تُعنى الكائنات اللا-إنسانية بـ ماذا ومتى لا بـ لماذا،فالتخيُّل ضروري لنسأل لماذا.التخيُّل،لا التفكير،هو ما يجعلنا بشراً.إننا واعون بذواتنا،ولا يمكن للتخيُّل ولا الوعي بالذات أن ينوجدا الواحد دون الآخر،إذ كلاهما متعالق بالآخر (و مظهر له).فالعقلاني،فينا،سابق على التفكيري،وهو منبثق من الواقع الموضوعي.إن قدرتنا على التفكير لا تجعلنا (بالضرورة) عقلانيين،إذ مخيالنا هو (آلة) تفكيرنا.والمخيال ليس سابقاً على التخيُّل،لأنه إنساني على الكلية.التفكير يتغيَّا العقلاني،والمخيال ينشد المنطقي:إيماناً أو حريةً.الواقع غير مبال بلاعقلانياتنا.(ومع) أننا قد،وقد لا،ننجو من أخطاء التفكير،بيد أنه إن تخيلنا،مجافين للمنطق،فإن العاقبة ستكون دمارنا:فردانياً أو جمعياً.إن كنا نبتغي أن نكون بشراً،فإن ثمة ممارسة منطقية لمخيالنا.ومنطق التخيُّل،بأكثر من ذلك،يقتضي أن نكون بشراً (أولاً)."

 وبذا،يمكننا الانحياز بالقول أن حسين البرغوثي،بميله للمتخيل المحلوم،كان أميل لأن يكون بشراً أولاً،وثانياً،وثلاثين...